عاجل

الرئيسية » كلمة الحياة الجديدة »
تاريخ النشر: 01 أيلول 2026

الصواب كهندسة أخلاقية …

كلمة الحياة الجديدة

حتى اللحظة لا يقدم "الطوفان" من قبل أصحابه، إلا بكونه  الصواب  المطلق (…!!)  ولهذا لم تترك "حماس" من الصفات الحميدة، صفة واحدة، إلا وأطلقتها عليه، ومعها بالطبع "حركة الجهاد الإسلاموي" في هذا التبجيل، وهذا التصويب، فحسب تحليقات بلاغية، لنائب أمين عام هذه الحركة، محمد الهندي، في لقاء نظمته "حماس" في تركيا (…!!) فإن من محاسن "الطوفان" أنه قد أتى على دولة إسرائيل تقريبا، فهو الذي أحالها كما قال الهندي إلى "دولة فاشلة، ومنهكة، ومنقسمة، ومن يرى صورة جيشها الآن، سيرى صورة جيش هزيل ومهزوم"…!!!

ترى أي هوية يمكن أن يحملها هذا الكلام، غير هوية  الضلال، والخديعة، وأي سردية هذه إن لم تكن غير السردية الاستعراضية، التي لا تستقيم مع الواقع، ولا علاقة لها بأي صواب ولا من أي نوع..!! إسرائيل خسرت المشروعية الأخلاقية حين اعتمدت الاستباحة العنيفة الشاملة للقضية الفلسطينية، وأشعلت نيران حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني.

إسرائيل الصهيونية الدينية، واليمين العنصري المتطرف، ليست دولة منهكة، وهي التي تهندم الحرب، كما تهندم أم وليدها (..!!) إسرائيل دولة الترسانة الحربية، المتخمة بمختلف أنواع الأسلحة، وأكثرها تطورا، وهذه الترسانة قد باعت يوم أمس، أسلحة لليونان، بقيمة 3 - 6 مليارات " يورو" حسبما ذكرت صحيفة معاريف الإسرائيلية…!! لا دولة منهكة بوسعها أن تعقد صفقات كبرى من هذا النوع..!!!  

الصواب أن ترى المسؤولية الأخلاقية والمعرفية، والوطنية ذلك بوضوح، كي تتحدث بسردية الواقع، والحقيقة، لا بسردية المخيلة المريضة برغباتها المكبوتة، التي لا تخلف غير نص الخديعة، والضلال، بوهم الصواب وتحليقاته العدمية …!!!

احتكار الصواب في الواقع، معضلة أخلاقية، ومعرفية، وهذه أكثر تفاقما، مع الأصوليات والجماعات الإسلاموية المسلحة، إذ تطال مختلف شؤون الحياة، الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، وحتى الشؤون العقائدية بالطبع، فجماعة "الإخوان المسلمين" مثلا لا ترى مسلما خارج إطار الإخوان، وقد أفتت غير مرة بجواز قتله !!

ولن ينسى أحد مفتي "حماس" في غزة، الذي أفتى بقتل أفراد الأمن الوطني، وأن قتلهم سبيل إلى الجنة (…!!) وفي كل هذا الإطار، ومع التطرف والمغالاة، لا تسمح هذه الأصوليات، وقد احتكرت الصواب زورا وبهتانا، لا تسمح بأي نقد، وأي اعتراض، ومن يقدم على ذلك يرمى بكل نقيصة، واتهام، وإلى حد الخيانة..!!

المفاوضات كانت بالأمس في خطب "حماس" و"الجهاد" معا،  تصيب الحرام، والكفر، والخطيئة، والعيب، لكنها اليوم مع "حماس" تصيب الحلال، ومحاسنه، وأنها من أدوات السياسة، ولا مشكلة في التفاوض، حتى لو جاء عبر القنوات السرية …!!!  

مفاوضات الشرعية، بالأمس، جاءت بغزة محررة، وبنت فيها مطارا، وميناء وتوسعت حتى تمكنت من محافظات الشمال بأسرها، ومفاوضات حماس اليوم لم تستطع، ولن تستطيع تحرير قطاع غزة حتى من الخط الأصفر الاحتلالي ..!!

مفاوضات الأمس جاءت على خلفية انتفاضة كبرى، ولم تنزع حجرها، مفاوضات اليوم، تطفو على بحر من دم الضحايا الشهداء، وحماس تنزع فيها سلاحها، الذي قدم في السابع من أكتوبر، بهجوم ازدرى كل معايير ومفاهيم وقيم المقاومة، قدم الذريعة الكبرى للاحتلال كي يشعل نيران حرب الإبادة  …!!!

وباختصار مفاوضات الأمس، جاءت بعد انتصار الانتفاضة الكبرى، ومفاوضات اليوم جاءت بعد هزيمة "الطوفان" الذي وعد بالتحرير، وبوضع حد لغطرسة الاحتلال، وعدوانيته، فلم يحرر بقدر ما تقهقر، ولم يضع حدا لعدوانية الاحتلال وغطرسته، بقدر ما جعل الدروب سالكة لها، وإلى حد توحشها، بالغ الشراسة، والتطرف العنصري غير المسبوق ..!!!

احتكار الصواب ليس معضلة فقط، بل هو عمل من أعمال الخطيئة، ولا صواب في المحصلة، غير صواب الحق، صواب الجراح الصحيحة، صواب العقلانية الرشيدة، صواب الحكمة، والتطلعات الإنسانية النبيلة، العادلة، والمشروعة، وهذا هو صواب فلسطين وقد وضعته على طاولة الشرعية الدولية، من أجل أن يكون عبر مفاوضات نزيهة، صواب العدل، والخير، والسلام.

رئيس التحرير