إعمال العقل لعلاج العقم الفكري
سؤال عالماشي - موفق مطر

من المسؤول عن انهيار صرح عقل الانسان العربي ؟! هل هي منظومة التعليم والتربية التي اعتمدت التلقين والحفظ عن ظهر قلب، وترديد المحفوظات ادبية كانت أو علمية أو معرفية، حتى تحول الدماغ كشريحة ذاكصسرة الكترونية، وكل ذلك على حساب مناهج البحث العلمي والاستنتاج؟ أم ما يسمى منظومة التطرف الديني التي فسرت النص، وأوسعت للمحرمات بلا حدود بما يتوافق مع اهوائها الرغبوية، وضيقت على الحلال والمباح، وطغت بصور مفصلة متخيلة عن التعذيب والجحيم على سور الرحمة والغفران، وذهبت الى حد تحريم علم المنطق وإعمال العقل!! أم التقاليد الاجتماعية والتربوية المسماة ظلما (التراث) التي إذا دققنا بمفرداتها ومعاني مصطلحاتها سنستخلص أنها متناقضة مع فهمنا ووعينا لمعنى المجتمع الانساني والتراث المشتق أصلا من جوهر القيم الأخلاقية، ومن أبعادها التي جعلتها توأما لجوهر القوانين الناظمة والضابطة لمسارات حياة وأمن وسلامة المجتمعات وتقدمها، والعاملة على تطوير ورفع مستويات نموها.
أعتقد وأنا على درجة عالية من اليقين، ان هذه الثلاثية المستحكمة في نمط تفكير وسلوك المجتمعات الفردي والجمعي، الى جانبها بالتوازي الحملة الاستشراقية التي ارهصت للحملة الاستعمارية الصهيونية على بلادنا بمساراتها الحربية والنفسية والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية ستبقى أهم العوامل المانعة لبلورة نظام سياسي يضعنا بمكاننا الطبيعي والمأمول تحت الشمس كغيرنا من الشعوب والأمم التي استطاعت التحرر من مثل هذه المسببات والمعيقات التي كانت أشبه بمكبلات وقيود فولاذية منعتها من الانطلاق والانعتاق من أسر منظومات ربطت مصالحها مع بعضها، حتى جعلت الأوطان بمثابة سجون كبرى، عمل حراسها على حظر أفكار الحرية والحقوق والتجديد والتحديث والرؤى والنظريات العلمية الكاسرة والمفككة لمنظومة القوة المسيطرة على المجتمع تحت عناوين دينية واجتماعية تتحكم بغذاء عقل الانسان، وجسمه أيضا، لضمان السيطرة عليه بسلاح الترهيب، وإبقائه في ادنى درجات الضعف، مسلوب الارادة والمشيئة، دائم الخوف، حتى يهيأ له أن الأمان الذي ينشده، لا يتوفر إلا إذا استسلم وسار في الدروب المرسومة له سلفا حتى ولو كانت متاهات!..
ولإثبات تشخصينا، وقراءتنا لدقائق المشكلة يمكن لأي قارئ لهذا المقال القاء نظرة سريعة فاحصة على حوارات ونقاشات وبيانات وفحوى ندوات عقدت تحت عناوين سياسية أو دينية أو اجتماعية أو اقتصادية أو أدبية، تقدمها شخصيات بمسميات أكاديمية أو تذيل أسماءها بمناصب سياسية، وليضع نقطة مقابل كل فكرة أو رؤية جديدة يسمعها أو يقرأها منشورة أو بين دفتي كتاب، فإذا حصل على ما نسبته 2% فهذا يعني أننا بدأنا نشفى من مرحلة العقم الفكري، لأن الـ 99% مما نسمعه ونقرأه بديهيات، أو نسخة مكررة أصلها مصدر واحد، وفي كثير الأحيان تبدو حشوتها الكلامية منسوخة من ارشيف القرن التاسع عشر، هذا إن لم تنسخ من ارشيف عشرة قرون وأكثر!، وفي احسن الأحوال من ارشيف القرن الماضي !! وكـأن الوقائع والأحداث عندنا وحولنا القريبة والبعيدة، قد حدثت في كوكب آخر، ثم تشهر كحلول لمشاكل معاصرة أو لقضايا صراع مزمنة، يستحيل حلها بذات الرؤية والأدوات.
أما إذا كان المرء غنيا بأفكاره وبراهينه العلمية المعرفية المادية الملموسة على تدبيراته ونظرياته ورؤاه غير المسبوقة للحياة، فليتابع الباحث إن استطاع الخوض في فيضانات التخوين والتكفير والإرهاب والوعيد، والتجسس والعمالة لأعداء الأمة بنوعيها القومية والدينية، وأسوأ ما قد يجعل الباحث يفكر ألف مرة بالتوقف للنجاة ببعض الأمان النفسي الشخصي، صدمته بالتشابه الأقرب للتطابق بين أدعياء علم ومعرفة يروجون لقدراتهم الخارقة في تبصر وتفسير عالم السياسة، مع آخرين تدل كلماتهم على مدى تأصل الجهل فيهم، ناهيك عن كسرهم أبجديات الأدب وأخلاقيات الحوار والنقاش، والإملاء والنحو في الأدب.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستسلم حركات التحرر والثورات لهذه الثلاثية، أم تتبنى برامج تغيير ثورية جذرية، أم عبر مناهج نظرية وعملية، لتثوير العقل ونقله الى حالة الإبداع، فسفن الشعوب لا تستوي على شواطئ الأمان والتحرر والتقدم والازدهار والسلام، إلا بإعمال العقل والتفكير، لردع منهج التكفير، وبالتوازي معالة العقم الفكري.
مواضيع ذات صلة
فوضى النشر في زمن الذكاء الاصطناعي... حين تتحول الحقيقة إلى ضحية
قانون "إعدام الأسرى".. مأسسة الإبادة وشرعنة الفاشية الصهيونية
قانون الصهيونية الدينية حافة الهاوية "لمملكة إسرائيل الثالثة"!!
قانون إعدام الأسرى يعدم إسرائيل الديمقراطية
استيطان بدوام كامل
يوم الأرض ليس ذكرى.. وإنما تحرير معنى الوطن
الأرض اسمها فلسطين