عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 31 آذار 2026

استيطان بدوام كامل

حبر على جمر- لمى عواد

بينما تتجه عدسات العالم نحو الحروب الكبرى والعناوين الساخنة، يجري على الأرض الفلسطينية حدث أقل ضجيجًا وأكثر خطورة محاولة إعادة تشكيل الواقع بهدوء، وبخطوات محسوبة، وبزمن طويل لا يثير العناوين العاجلة.

في الوقت الذي تُناقش فيه العواصم الدولية وقف إطلاق النار وصفقات التهدئة وترتيبات ما بعد الحرب، تعمل ماكينة الاستيطان بلا توقف. لا تنتظر نتائج المفاوضات، ولا تتأثر بالبيانات الدولية، ولا تتباطأ أمام الإدانات الدبلوماسية. إنها عملية مستمرة تشبه الزمن نفسه؛ بطيئة في ظاهرها، لكنها حاسمة في نتائجها.

 

سياسة تُدار خارج الأخبار

ما يحدث اليوم في الضفة الفلسطينية المحتلة لم يعد مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل إعادة تشكيل تدريجية للجغرافيا الفلسطينية. طرق تُفتح، أراضٍ تُصادر، بؤر استيطانية تتحول إلى واقع دائم، وحواجز تتحول من إجراءات مؤقتة إلى بنية ثابتة للحياة اليومية.

الخطر لا يكمن فقط في حجم التوسع، بل في توقيته. فكلما انشغل العالم بأزمة أكبر، تقدمت خطط فرض الأمر الواقع خطوة إضافية. الحروب تجذب الكاميرات، أما الاستيطان فيعمل بعيدًا عنها.

 

الصراع على الزمن لا على الأرض فقط

لطالما كان الصراع الفلسطيني الإسرائيلي صراعًا على الأرض، لكنه اليوم أصبح أيضًا صراعًا على الزمن. من يملك القدرة على الانتظار، وعلى التغيير البطيء المتراكم، هو من يصنع الواقع النهائي.

كل بؤرة تقام، وكل طريق يُشق، وكل نقطة استيطانية تُحمى عسكريًا، ليست حدثًا منفصلًا، بل جزء من معادلة طويلة تهدف إلى جعل أي حل سياسي مستقبلي أكثر تعقيدًا، وهكذا تتحول السياسة إلى جغرافيا، وتتحول الجغرافيا لاحقًا إلى "حقائق" يصعب التراجع عنها.

 

الفلسطيني بين حربين

الفلسطيني اليوم يعيش بين مستويين من الصراع: الأول مرئي وصاخب يتمثل في المواجهات والأحداث الأمنية اليومية، والثاني صامت وبطيء يتمثل في تقلص المساحات المتاحة للحياة والعمل والحركة.

ليس المطلوب دائمًا تهجير الناس بالقوة المباشرة؛ أحيانًا يكفي جعل الحياة أكثر صعوبة عامًا بعد عام، حتى يتحول البقاء نفسه إلى معركة استنزاف طويلة. وهنا يكمن التحول الأخطر: ضغط مستمر لا يظهر ككارثة واحدة، بل كسلسلة أزمات صغيرة تعيد تشكيل الواقع دون إعلان.

 

العالم الذي يرى ولا يتدخل

المفارقة أن المجتمع الدولي يعرف جيدًا ما يحدث. التقارير تصدر، والتحذيرات تتكرر، لكن الفجوة بين المعرفة والفعل تتسع أكثر من أي وقت مضى. ففي السياسة الدولية، غالبًا ما تنتصر الوقائع الميدانية على المواقف الأخلاقية، وعندما يصل العالم إلى مرحلة التحرك، يكون الواقع الجديد قد ترسخ بالفعل.

وهكذا يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا يحدث الآن؟ بل: ماذا سيتبقى بعد سنوات من هذا التغيير الصامت؟

العالم منشغل بالأزمات الكبرى، لكن على الأرض يعمل خطط طويلة النفس لإعادة رسم المكان والإنسان معًا.

وفي فلسطين، قد لا تكون اللحظة الأخطر زمن الحرب.. بل اللحظة التي تنتهي فيها، حين يكتشف الجميع أن الأرض تغيّرت بينما كانت الأنظار في مكان آخر.