الأرض اسمها فلسطين
باسم برهوم

قررت الطليعة الفلسطينية داخل الخط الأخضر ان يكون يوم الثلاثين من آذار / مارس يوما من اجل الدفاع عن الأرض، حدث ذلك في العام 1976، ومنذ ذلك الوقت اصبح هذا اليوم يوما وطنيا فلسطينيا جامعا توحد الشعب الفلسطيني من حوله، واطلقوا عليه يوم الأرض المجيد.
وفي حينه، في العام 1976، كان الهدف هو الدفاع عن أرض الجليل التي كانت الحكومة الإسرائيلية تضع الخطط لسلب المواطنين الفلسطينيين أراضيهم، ثم تحول يوم الأرض ليعبر عن الوطن الفلسطيني التاريخي.
الوعي بمعنى الأرض ومغزاها، الذي يعني انها وطن، ليس وعيا لفظيا، انما هو علاقة عملية، يومية، يرمز لها بالصمود والتمسك، والصمود، لا يعني المقاومة العنيفة للدفاع عن الأرض وحسب، وإنما زراعة الأرض وتنميتها فهو يمثل الصمود الحقيقي. ترك الأرض وإهمالها وعدم فلاحتها يعني هشاشة العلاقة، يعني انقطاع الحبل السري بين الأرض وأصحابها الحقيقين. ويصبح الصمود وهما اكثر مما هو واقع، من يزرع وينمي ارضه ويبني عليها منزله، يتمسك بالأرض ويصمد عليها اكثر من أي انسان آخر.. هذا هو التجسيد الحقيقي ليوم الأرض.
استلهم ما يقوله محمود درويش بخصوص الأرض "كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين" ويربط هذا التعبير الزمني والمكاني بالحياة بوجود الشعب صاحب الأرض عليها وقال: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة " أي الصمود والتضحية، التجذر والمحافظة على العلاقة اليومية مع الأرض. لذلك يوم الأرض ليس يوما احتفاليا ورمزيا ويمضي، انما هو تلك العلاقة التي لا تنكسر بين الشعب الفلسطيني وأرض وطنه، هو تلك العلاقة بكل ما فيها من تفاصيل، تنمية وثقافة وتراث، كتابة تاريخ وحاضر، كتابة قصص زراعة الزيتون وقطف ثماره جيلا بعد جيل في علاقة لا انفكاك فيها.
فلسطين، اسم عاش مع هذه الأرض اكثر من أربعة آلاف سنة، منذ ان بدأ الانسان يعطي للأماكن اسماءها، في الحيز الأوسع في الزمان كانت فلسطين هي الاسم الأكثر شيوعا لهذه الجغرافيا الممتدة من رأس الناقورة شمالا إلى خليج العقبة جنوبا، وما بين نهر الأردن إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط.
بعد نكبة عام 1948 اعتقدوا أنهم أزاحوا هذا الاسم إلى الأبد من الجغرافيا ومن الذاكرة الإنسانية، اعتقدوا أنهم مزقوا الشعب الفلسطيني ومزقوا هويته الوطنية، ومن بين ما اعتقدوا انهم نجحوا في تحويل الفلسطينيين الذين صمدوا على أرضهم عام 1948، إلى مجرد سكان بلا هوية ليأتي يوم الأرض ردا حاسما ان هذه الأقلية العربية جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، هم أصحاب الأرض الأصليون. والأمر ذاته بالنسبة للفلسطينيين المشردين، الذين قالت غولدا مائير عنهم "الآباء يموتون والأبناء سينسون"، لتأتي الثورة الفلسطينية عام 1965 الرد الحاسم لتؤكد ان علاقة الفلسطيني بأرض وطنه هي ذاكرة عمرها آلاف السنين، لا يمكن نزع هذه الذاكرة المتوارثة، أو فصل العلاقة المتجذرة في الوعي بين الشعب الفلسطيني وأرضه.
تكررت الرسالة الحاسمة في الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى في العام1987. واليوم في قطاع غزة عندما تمسك الشعب الفلسطيني في البقاء على ارضه رغم الإبادة الجماعية، والحصار والتجويع وسياسة العقاب الجماعي المتوحشة.
مرة اخرى برزت هذه العلاقة الأبدية بين الفلسطيني وأرض وطنه، وفي المحصلة فشلت المحاولات الصهيونية في فرض روايتها، فالعالم بأكمله رفع شعار "الحرية لفلسطين"، ومرة اخرى تأخذ الأرض اسمها التاريخي "فلسطين".
هذه الأرض لا اسم لها سوى فلسطين، أما الاحتلال فعمره قصير ومصيره الزوال، فالحقيقة التاريخية هي الأكثر ثباتا، وما دام الشعب الفلسطيني صامدا على أرضه ستبقى فلسطين كحقيقة أبقى وأقوى من أي تزوير. ومع ذلك، فهذا الحديث ليس شعارا نكرره بل وعي نعمقه بالعلاقه اليومية مع الأرض.