عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 نيسان 2026

قانون إعدام الأسرى يعدم إسرائيل الديمقراطية

باسم برهوم

في شبابي المبكر قرأت كتاب المقصلة للروائي والفيلسوف الفرنسي البير كامو، والكتاب هو عبارة عن عدة مقالات على شكل قصص قصيرة، تتناول أغلبها وحشية أحكام الإعدام على مختلف أشكالها، الرمي بالرصاص، بالمقصلة، بالمشانق، او قطع الرأس بالسيف، او حتى الحرق، او الإعدام بالكرسي الكهربائي اللعين. عندما كتب كامو مجموعة مقالاته كانت فلسفة القرن العشرين قد بدأت تضع بصمتها على الفكر الإنساني، ردا على الفاشية والاستعمار، كانت البشرية تأمل الانتقال من حالة التوحش إلى حالة أكثر تحضرا وإنسانية، لذلك حرض كامو وغيره ضد حكم الاعدام، والتي بدأت الدول الواحدة بعد الأخرى تعلن إلغاءه لأنه شكل آخر للجريمة.

إسرائيل التي تأسست في تلك الحقبة التاريخية كانت من بين ما تتفاخر به أنها دولة لا حكم بالإعدام فيها، لا لتقدم نفسها أنها دولة ديمقراطية وحسب، وإنما لتضع نفسها بين الدول الراقية الأكثر إنسانية، وانها جزء من أوروبا التي جميع دولها باستثناء بيلاروسيا تحرم حكم الإعدام. كانت إسرائيل، بعد تأسيسها عام 1948 إلى أن سيطر عليها اليمين الفاشي تحاول أن تطلي نفسها بقشرة من التحضر والديمقراطية، كانت حريصة على امتداد عقود على هذه القشرة، في محاولة لكي لا يرى الرأي العام العالمي جوهرها، وأنها بالأساس دولة عنصرية، دولة تطهير عرقي، ودولة تحتل أرض شعب آخر.

واليوم وبعد أن أضافت إسرائيل لنفسها صفة أخرى أكثر وحشية وهمجية، انها دولة إبادة جماعية، من الواضح أنها بقيادة الثلاثي الفاشي نتنياهو وبن غافير وسموتريش لم تعد تكترث لقشرة النفاق التي كان اليسار الإسرائيلي حريصا عليها. وقامت بالمصادقة على قانون  يهودية الدولة، وقانون يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين. بالسنوات الاخيرة، أو خلال العقدين الأخيرين كانت إسرائيل تعدم الفلسطينيين ميدانيا، يقوم جنود جيشها بإعدام الأطفال والنساء والشباب والصحفيين والأطباء والمسعفين وكبار السن، وفي أكثر الأحيان من دون تقديم أي مبرر، أو أنها تدعي بأن هذا الإنسان كان ينوي قتل جنود الاحتلال.

وداخل المعتقلات كانت إسرائيل تمارس الإعدام "الناعم" للأسرى الفلسطينيين، فقد استشهد 313 أسيرا فلسطينيا في ظروف غامضة في المعتقلات الإسرائيلية، او بسبب الإهمال الطبي، او تحت التعذيب، ومنذ أن أصبحت مصلحة السجون الإسرائيلية ضمن نطاق سلطة بن غفير استشهد 110 أسرى فلسطينيين في ظروف غامضة.

وبعد القانون لن تحتاج إسرائيل لممارسة قتل الأسرى بالسر أو في الخفاء، إنما سترتكب جرائمها بالعلن، وبتفاخر بالقياس لسلوك الوزير الفاشي بن غفير.

وبينما كانت إسرائيل تعدم الفلسطينيين، كان العالم يغمض عينيه ويصم أذنيه ولا ينطق، والعالم نفسه صمت عندما تأسست إسرائيل على حساب شعب آخر، صمت عن التطهير العرقي وعشرات المجازر التي ارتكبتها الدولة العبرية اثناء حرب "استقلالها" عندما قامت بتدمير 500 قرية فلسطينية كي تمنع عودة أصحابها لها. ماذا حصل عندما صمتت أوروبا عن الفاشية الصاعدة في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين؟  أخذ الصمت عن هذه الفاشية الأوروبية العالم الى حرب عالمية ثانية مدمرة قتلت ما يقارب 100 مليون إنسان. وعندما صمت العالم عن ممارسات إسرائيل العنصرية ماذا حصل؟ ارتكبت جريمة حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، راح ضحيتها 75 ألف إنسان فلسطيني وجرح أكثر من 200 ألف، وها هي إسرائيل تأخذ البشرية كلها من حرب إلى أخرى.

باستثناء أصوات خافته في أوروبا، لم يسمع الشعب الفلسطيني أي موقف دولي صلب من قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، والأهم أن إسرائيل لم تسمع أي نقد جدي لقانون يشرع جرائم القتل ضد الأسرى الفلسطينيين. لذلك هي لن ترتدع، فماذا يتظر العالم لتأخذه إسرائيل لحرب نووية؟