قانون "إعدام الأسرى".. مأسسة الإبادة وشرعنة الفاشية الصهيونية
محمد ربيع

لم يكن إقرار الكنيست الصهيوني لما يسمى "قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين" مجرد تشريع قانوني عابر أو مناورة سياسية بل هو الإعلان الرسمي عن بلوغ الفاشية الصهيونية ذروة تكوينها البنيوي، وتحويل القتل من ممارسة ميدانية غارقة في الدم إلى عقيدة قضائية مغلفة بنصوص قانونية زائفة.
إن هذا القانون ليس خارجاً عن هذا المسار الإجرامي، بل هو الثمرة المسمومة لمنظومة سادية ترى في محو الفلسطيني -وجوداً وهويةً وجسداً- شرطاً أيديولوجياً لبقائها، وهو يمنح "الموت" طابعاً بيروقراطياً يجعل من منصة القضاء مشنقةً رسمية، ومن قاعة المحكمة مسرحاً لتصفية الحسابات الوجودية مع شعب يرفض الانكسار.
إننا حين نقرأ هذا القانون، لا نقرأ نصاً تشريعياً بالمعنى التقليدي، بل نطالع وثيقة إدانة لمنظومة استعمارية تجاوزت حدود "الأبارتهايد" لتستقر في مربع الإبادة الجماعية الممنهجة؛ فهذا التشريع هو الوجه الآخر لما يمارسه جيش الاحتلال من إبادة جماعية وقتل وتشريد، وما تقترفه عصابات المستوطنين من إرهاب وحرق وتنكيل، حيث تتكامل الأدوار في مثلث الموت بين الرصاصة والمطرقة والمقصلة.
إن مأسسة الإعدام هي تجلٍّ صارخ لسياسة التنكيل التي لم تعد تكتفي بالاعتقال، بل باتت تسعى لشرعنة تصفية الجسد الفلسطيني كجزء من عملية "تطهير" شاملة.
وهنا تبرز الحقيقة الفجة التي تربط الحاضر بماضٍ لم يغادرنا؛ إذ يتجسد في هذا القانون الفكر الإرهابي الذي حمله المجرم الارهابي "باروخ جولدشتاين" في الحرم الإبراهيمي، فبينما أفرغ جولدشتاين رصاصاته في أجساد الساجدين تحت جنح الظلام، نجد تلاميذه وورثته الأيديولوجيين اليوم يتربعون على سدة التشريع ليسنّوا "قانون الموت" تحت أضواء الكنيست.
إنها رحلة الإرهاب الصهيوني من "رصاصات القتل الغادرة" إلى "القلم الدموي الذي خط هذا القانون" ومن "المجزرة الفردية" إلى "المجزرة القانونية الممنهجة"، حيث لم يعد القاتل مطارداً بل أصبح هو المشرّع والمقرر.
وما يحدث في غرف الكنيست المسكونة بكل هذا الغلو والتطرف، يتم تصنيف الفلسطيني كـ "كائن" لا يستحق الحياة، وتُسن القوانين لتسهيل محوه جسدياً ومعنوياً، وسط صمت دولي يشجع الاحتلال على المضي قدماً في سياسة الإبادة الجماعية التي تجري فصولها الآن على امتداد الجغرافيا الفلسطينية المحاصرة بالدم والنار.
ويخطئ من يظن أن هذا التوحش هو نتاج صدفة سياسية أو تغير في الائتلافات الحاكمة، بل هو استمرار طبيعي لتاريخ طويل من الإرهاب الصهيوني الذي نشأت عليه مؤسسات هذا الكيان.
ولعل هذا التشريع يعكس رغبة محمومة في الانتقام من الحركة الأسيرة التي ظلت تمثل بصمودها عاراً يلاحق السجان، وهي محاولة بائسة لكسر إرادة الحرية عبر التلويح بالمقصلة.
إن الإرهاب الذي يمارسه الاحتلال اليوم ليس إرهاباً فردياً، بل هو "إرهاب دولة" منظم، يستخدم القانون أداة للجريمة، ويحول مؤسسات "الديمقراطية المزعومة" إلى منصات لشرعنة القتل، ما يؤكد أننا أمام منظومة فاشية متكاملة الأركان، لا تكتفي باحتلال الأرض، بل تسعى لاستئصال البشر وتدنيس الوجود الإنساني عبر أبشع صور التنكيل والتعذيب الممنهج داخل السجون وخارجها، في محاولة يائسة لتطويع التاريخ وتحويل فلسطين إلى ساحة إعدام مفتوحة.
ومع إقرار قانون الموت هذا، يضع العالم بأسره، بمؤسساته الحقوقية والقانونية، أمام مرآة الحقيقة العارية؛ فحين يصبح الإعدام قانوناً، والقتل والتهجير سياسة رسمية، تسقط كل الأقنعة وتتهاوى الذرائع الأخلاقية التي لطالما تغطى خلفها الاحتلال لعقود. إنها دعوة صريحة للدم، وتفويض رسمي لجيش الاحتلال ومستوطنيه لممارسة أبشع أنواع السادية والترهيب تحت غطاء التشريع.
ولكن، وفي قلب هذا الظلام الدامس، يبقى اليقين الفلسطيني راسخاً بأن المشانق التي يجهزها الاحتلال لن تزيد الأسرى إلا عناداً، ولن تزيد الشعب إلا إصراراً على انتزاع حريته؛ فالحق التاريخي لا يسقط بقرار من "كنيست" فاشي، والعدالة التي تقيدها السلاسل اليوم هي التي ستطارد الجلاد غداً في ساحات الحقيقة والتاريخ، ليبقى الأسرى أحياءً في ضمير أمتهم كأيقونات للخلود، بينما يذهب القاتل وتلاميذه وتشريعاتهم السادية إلى مزابل التاريخ كشاهد على حقبة من الانحطاط الإنساني والوحشية الصهيونية التي لم تشهد البشرية لها مثيلاً في التاريخ المعاصر.