الوفاء..
سؤال عالماشي - موفق مطر

جبل تراب آدم بقيم إنسانية لا يمكنه لأي سبب تغييرها أو التدخل بمستواها وترتيبها.. أو محاولة تأويل معانيها وتفسيراتها؛ فهذه القيم لا تنسجم ولا تتفاعل مع الأهواء والرغبات الشخصية النفعية الضيقة والمكاسب المادية مهما كانت ضئيلة أبدا.
تبدو لنا القيم كلوحة هندسية في أرقى وأسمى حالات الإبداع عاكسة لإعجاز السماء يستطيع المؤمن قراءة تفاصيلها بدقة؛ مدفوعا بحرص شديد على استكمال إنسانيته وتتويجها بالوفاء.
يظن أبناء آدم بتميزهم عن المخلوقات في الكون بالوفاء.. لكننا لو دققنا في قراءة صفحات العلم والمعرفة لوجدنا الوفاء بمثابة الروح لكل مخلوق ينبض بالحياة بروح أو دم أو بطاقة لا يعلم سرها إلا خالقها.. لذا فإن المرء الذي لم يتعلم أو يعلم أو الفاقد أو المتجرد من الوفاء وجب عليه العلم أن الذئب المفترس حتى يعتبر من أرقى المخلوقات المميزة بالوفاء في عائلة الوحوش البرية.. وربما يحق لنا وسمه بأوصاف وسمات إنسانية مثل البر بوالديه حيث يتكفل باصطياد الفرائس وتقديمها لأبويه عندما يضعفان عن الصيد.. وكذلك الوفاء لأنثاه وعائلته في قطيعه.. فهو لا يقطع مع أشقائه ولا يزاوج أنثى ولدت معه في بطن واحد.
لا يتخلق الانسان خائنا خائن، فالوفاء جزء لا يتجزأ من طبيعته التي فطر عليها والسبب في توازن مسارات ونظام الحياة.. لذلك نجد أن كل المخلوقات بما فيها عناصر الطبيعة كالتراب والماء والنار بقيت ملتزمة بقانو ن الوفاء.. وما على ابن آدم إلا قراءة علم الحياة والطبيعة لإدراك هذا الرقي.. وإدراك مستوى درج الانحطاط الذي سيكون فيها إذا جرد نفسه منه أو حاول العبث بقوانينه ومكانته أو تنزيل مكانته الأرفع حتى ولو بمقدار قطر شعرة.
نتحدث هنا عن وفاء بدوائره المتداخلة.. للنفس والروح والبدن، لنصف النفس الأخرى، للوالدين، للأبوين، للعائلة الصغرى، للعائلة الكبرى.. للمجتمع.. للشعب.. للإنسانية، وإذا أراد باحث معرفة مكانة الوفاء للوطن، فليبدأ بقراءة واستطلاع مكانته ونقائه عند الفرد بالخصوص والمجتمع عموما، وقد يخلص إلى نتيجتين، إما وفاء حقيقي كامل غير منقوص لما أسلفنا، أو وفاء مصطنع، أو خيانة مغلفة بورق الكلام المنمق عن الوفاء، لفائف رقيقة سرعان ما تذوب أو تتمزق عند أول امتحان، أو صراع بين الرغبات والشهوات ورغبة الاستحواذ على حقوق الآخرين المادية بقوة الباطل والقدرة على اغتيال الوفاء تحت عيون الأشهاد من دون حياء.
يمكن للباحث رؤية مكانة الوفاء للوطن إذا استطاع مقارنة حجم ملفات النزاع على الإرث مثلا لدى المحاكم أو التي لم تصل إلى أدراجها، مع حجم الخطاب على المنابر بكل أنواعها وأشكالها عن الوطنية والوطن.. وقد لا نحبط أحدا أنه سيتفاجأ من موقع الوفاء الفردي والجمعي الشخصي والعائلي وغلبة السلطة الذكورية، واختراقات أنثوية غير حميدة، مشبوهة توسوس للمتسلطين على أساس النوع.
ليس الوفاء سياسة إذا كانت السياسة فن تمكين المصالح.. لكنه سياسة إذا فهمنا السياسة بأنها علم وإصلاح أمور الحياة، حيث لا تستقيم ولا تمضي في مدارها إلا بنظام كوني اسمه الوفاء.
نستطيع الاسترشاد لموضع وحجم الوفاء الكامن في نفس الإنسان ككمون الكمأة في قلب الأرض.. بعلامات المحبة التي يجب أن نكون أذكياء وأصحاب تجربة وخبرة لتمييزها عن المزيفة المصطنعة.. فالمحبة دليلنا لأنها في الحقيقة مركز دماغ الأوفياء.. وما علينا إلا الإشعاع بها على العالمين والناس في الدنيا حتى يتلقفها من يستحقها بأمان وسلام فتتكون على الأرض جنة عامرة بالوفاء لعلها تغفر لآدم الأول معصيته.
مواضيع ذات صلة
فقيدا ثم شهيدا .. توفيق المساعيد
بين الانفتاح والانغلاق: لماذا تبدو انتخابات فتح أكثر حضورا في النقاش العام؟
فتح القوية ضرورة وطنية
وسقط جميعهم في الكمين !
ماذا يعني أن يُنبش قبر في فلسطين؟
التسويق الوهمي... عروض مغرية تختفي عند باب المحل
المياه المعالجة: أمل جديد لبساتين فلسطين في زمن شحّ المياه وارتفاع الأسعار