عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 أيار 2026

ماذا يعني أن يُنبش قبر في فلسطين؟

لما عواد

حادثة نبش القبر قرب ترمسعيا ليست اعتداء عابرا يمكن احتواؤه بلغة الإدانة التقليدية. إنها لحظة سياسية كاشفة، تشير إلى انتقال الصراع من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على معنى الوجود نفسه… والحق في الراحة الأبدية.

لم يعد النزاع فقط حول من يعيش فوق الأرض، بل حول من يُسمح له بالبقاء فيها حتى بعد موته.

هندسة الوعي والسيطرة على الوجود.

الاحتلال في شكله الكلاسيكي يسيطر على الحدود والموارد والطرق. أما ما نشهده اليوم فهو أكثر تعقيدا :  إدارة الوجود الإنساني. الغربة لم تعد حالة مؤقتة تنتهي بالوفاة، بل قدر يلاحق الإنسان حتى وهو تحت التراب. لم يعد الهدف السيطرة على المكان فقط، بل إعادة تعريف من يحق له الوجود داخله.

وعندما يصبح القبر نفسه محل نزاع، فنحن أمام مستوى جديد من الاحتلال: السيطرة على الرموز والمعاني والذاكرة.

الاحتلال الكلاسيكي يسيطر على الطرق والحدود، ويفرض السيطرة المادية، أما الصراع الحديث فيعمل على تفكيك شعور الإنسان بالاستقرار، ما يسميه علماء الاجتماع بتفريغ الأمان الوجودي. أي نزع الإحساس بوجود نقطة نهاية آمنة للحياة.

حين يفقد المجتمع الإحساس بوجود نهاية آمنة، يتحول القلق إلى حالة جماعية دائمة. وهذا أخطر من السيطرة العسكرية نفسها، لأنه ينتقل من الجغرافيا إلى النفس الإنسانية.

القبر كوثيقة طابو رمزية.

في فلسطين، القبر ليس مكانًا للموتى فقط،

إنه دليل وجود،

 شهادة تاريخ،

وإعلان صامت يقول:  كنا هنا وسنبقى هنا.

لهذا يصبح نبش القبر فعلاً رمزياً قبل أن يكون فعلاً مادياً. محاولة لمحو الذاكرة لا إزالة التراب.

والصراع لم يعد على من يعيش فوق الأرض، بل على من يُسمح لذكراه أن تبقى فيها.

الصراع على الذاكرة لا على الحاضر.

ما تكشفه هذه اللحظة هو دخول الصراع مرحلة "إدارة الوجود" - ليس منع الحياة فقط، بل تنظيم شكلها، ثم التحكم في معنى الموت نفسه. وهنا يتحول النزاع من خلاف سياسي قابل للتفاوض إلى صراع طويل العمر يسكن الوعي الجمعي.

في معظم أنحاء العالم، الموت نهاية الرواية، والقبر السطر الأخير في حكاية الإنسان.

أما في فلسطين، يبدأ فصل جديد منها،

 موت يريده الاحتلال غير مانح لأي حصانة.  

وتراب لا ينهي الرواية،

ونبشه ليس تعبيرا عن القوة، بل محاولة يائسة لترهيب ذاكرة لا يمكن اقتلاعها.

وحين يصل الصراع إلى القبور، فهذه ليست ذروة العنف فقط، بل إشارة إلى أن السياسة فشلت في حماية أبسط تعريف للإنسان.

الحادثة في ترمسعيا هي صرخة تذكر العالم بأن الصراع هناك لم يعد على "أمتار من الأرض"، بل على "كرامة الإنسان" حياً وميتاً.

ربما سيُنسى اسم الضحية في زحام الأخبار، لكن الفكرة التي كشفتها الحادثة ستبقى.

وعندما يصل الصراع إلى القبور، يدرك العالم أن القضية لم تعد سياسية فقط، بل إنسانية إلى الحد الذي يجعل الصمت نفسه موقفا.