ما أشنع الفراق... لو كان رجلاً لقتلته...
رانية فهد

أرفعُ وجهي إلى السّماء وأقول : كيف لكَ يا قلمي أنْ تعبّر عنْ كلّ ما في خاطري نحو أمّي!!!
يغمرني شعور بالقهر المكتوم... يأخذني إلى ذلك الرّحيل، أمّي،
قد كانت وفاتك ثاني طرقات الموت إلى بوابة حياتي... لتشهد حياتي سلسلة من الفقدان... يقال لنا أنّ الموت يذهب بأحبابنا إلى الجنّة، لا شكّ في أنّ في هذا بعض عزائي... ولكن يظلّ موتك شيء آخر بالنّسبة لي... يبقى فقدانك هو الفقدان، لماذا الموت وحده هو الذي يضع النّهاية لكلّ الأشياء؟ لا أطلب جواباً...
ماذا أحدّثكم عن أمّي؟... أمّي كلمة يستحيي قلمي أن يصدر صريراً بعدها، أمّي سخاء بلا حدّ... حنوّ في مدّ... كنز مكنون من المحبة والتّسامح... رؤوم... فيض خير في هذا الوجود... يا قلمي، سجّل ما أخاف أن يضيعَ من فكري، فبك يا قلمي، أستبقي وأخلّد لمن بعدي ما لا أحبّ أن يموت فيّ... كنت في حجرة مكتبي في البيت والمطالعة متعة من متع الحياة لديّ، أنسج أفكاراً من خيوط حائرة مذعورة شاردة صامتة صمتاً يأخذني بعيداً، يفتنني بذكريات طويلة، يمرّ بها على صدمات الفرح والحزن التي تستوقفني، اخترقت صمتي رنة الهاتف، فردتني بشيء من الخوف إلى واقعي، رفعت سماعة الهاتف فإذا بصوت يختنق في سمعي، وأخرى أخذت تتعالى وتتعالى، تلك أصوات تمنّيت أن تنأى عنّي وألا تَفْجَأني بذلك الخبر المشؤوم... خبر رحيلك عنّي... نعم، يا أمّي أريد ذلك الصّوت العذب الحنون، ذلك الصوت الرؤوم بي، والرؤوف علي، المخدوش قليلا ببحتك الجميلة الذي طالما كان يعزف على أوتار قلبي، أن لا يفارق القلب الذي يحتويني كلّما طرق الأسى أبوابي، ويبعد عني أنفاس القهر التي لا تخلو منها حياة البشر... وأردفت قائلة: أين أنت؟ أيكون هذا، يا أمّي فراقاً أبديّاً؟ وسرت في جسدي رعشة أيقظتني و أيقظت ذلك الشّعور المخيف، رعشة فطرت القلب... وأدرّت الدّمع... وأخذتني إلى الموت الذي سلب أمّي!!!، انتهت المكالمة وظلت دقات الهاتف تهزّ قلبي، أظنها علقت بقلبي، والتصقت بنبضه، لا أظنّها تفارقه أبداً، حتى النبضة الأخيرة من نبضات قلبي في هذه الحياة الفانية.
انتهت المكالمة بما حملت... وفي يوم آخر، وفي لحظة انتظار التقطت قلمي لأوثّق جرحي، كتبت أسطر عدّة ليست للنشر، ثمّ عدت لقراءتها، فإذا بدموعي تسبقني، تذكرت وتذكرت... خفت أكثر عندما تذكرت أول صدمة فراق أخذت نصفي... ولكنني قررت العودة إلى قلمي كي أحتمي به، ولأكتب لنفسي شيئاً آخر...
تنفّست الصّعداء، وأردفت قائلة: آهٍ يا أماه... أين أنت؟ لوتعلمين ما بي ... آهٍ يا أماه، حبيبتك تحلّق في عالم الفقد والأنين... حبيبتك تحلّق في عالمٍ بعيد... بعد أن سئمت الحياة وتكاليفها، وكان فقدك أعظم تكاليفها... لذلك آثرت العزلة والانعزال ... آثرت الصمت في خضم عالم مقنّع يسحقك فيه الحزن... ويُعوزك الكلام... هناك قيم تباع وتشترى إلا أمي فإنّها القيمة التي لا تباع... إلا القيم التي زرعتها فيّ فإنّها لا تنقطع... حبيبتك ستحلّق بخيالها في مكان لا يعرف الفراق... يخلّد فيه الحبّ النابض النديّ بعيداً عن الآهات... الأنّات... العبرات التي يجلبها الفقدان؟ بفقدك قلبي يتمنّى أشياء كثيرة... بل ويتساءل أتاهت الأيام منّا في الزّحام... ولم تاه الشّعور وفاض الحزن؟ أمّاه إني أخشى غدر الليالي من بعدك... أمّاه إني الآن أبحث عن ذاتي، بل عن سعادتي الفارّة الهاربة في كلّ ركن وزواية، عن تلك الابتسامة الصادقة التي أخذت تتلاشى منذ أن فارقت هذه الحياة... في النفس غصة وأنين... في العين دمع لا يكفّ ولا يكفكف... أماه أين أنت لأقول َلك: إنّي أخشى الزّمان من بعدك... قد امتلأت بوحشة الفراق والمكان والنّاس... ما عاد ليلي إلا كابوساً مخيفاً... ما عاد يومي إلا هروباً ثقيلاً... خيالك حاضر... يطلّ بين الفينة والأخرى... صوتك يتسلّل كأنّه الوهم في سمعي فيغيب فجأة قبل أن أتبيّن منه كلاماً... أمّي ستبقين في خيالي ومخيّلتي... أنت النبض وأنت الدّم.. أنت الذاكرة... أنت أول لحظة في حضوري... كنت السّرّ في وجودي... كلّ الصور تنمحي إلا صورة أمّي... كلّ الأنوار تنطفئ ونورك فيّ ينبعث... الحزن لن يبعثر صورتك... الأيام تُنسي كلّ مرّ إلا مرّ فراقك.
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت