أنا ولغتي
سامح حجازي*

في حضرةِ الكلمة والخشبة
على رصيفِ الذاكرة، تقفُ لغتانِ كغريبتينِ تعانقتا في دمي،
الأولى.. سيدةُ الرمالِ والبحور،
تسكبُ في حنجرتي جمرَ "الضاد" وعسلَ القوافي،
تعلّمني أن الكلمةَ ليست مجرّد صوت،
بل هي تميمةٌ أعلّقها على صدرِ الوقتِ كي لا يشيخ.
أحبّها.. لأنها تجعلُ وجعي فصيحاً، وشوقي كونياً.
والثانيةُ.. سيدةُ الثلجِ والفلسفة،
تأتيني من ضفاف "الراين" بوقارِ الكاتدرائيات،
تعلّمني كيف أروضُ الفكرةَ في قوالبَ من حديدٍ ومنطق،
لغةٌ لا تعرفُ المواربة،
تبني لي بيتاً من الوضوحِ في عالمٍ من الضباب،
أحبها.. لأنها تمنحُ حيرتي هيكلاً، ولعقلي بوصلة.
غير أني..
كلما ضاقت بيَ الأبجدية،
هربتُ إلى وطني الأكبر: المسرح.
هناك.. حيثُ تنكسرُ المرايا وتتحدُ اللغات،
تتحول "العربية" إلى تنهيدةٍ تملأُ الفراغ،
وتستحيل "الألمانية" إلى خطوةٍ واثقةٍ فوق الخشبة.
في المسرح، أنا لستُ نتاجَ نحوٍ أو صرف،
أنا جسدٌ يكتبُ حكايتهُ بالحركة،
وعينٌ تترجمُ صمتَ الوجودِ بومضة.
يا لغتي الثالثة.. يا لغةَ الأقنعةِ التي تكشفُ الوجوه،
أنتِ السقفُ الذي يحمي حنيني العربيّ،
والأساسُ الذي يستندُ إليهِ عقلي الألمانيّ.
فوق خشبتكِ..
لا يهمُ بأي لغةٍ نصرخ،
المهمُ أننا -وأخيراً- نجرؤُ على الصراخ.
بين لغتين يسكن قلبي، وفي فضاء المسرح تحلق روحي.
بين مِحراِب الضادِ.. وصرامةِ الراين: تراتيل على خشبةِ المسرح
ثمة عشقٌ لا يُفسره إلا التعدد، وشغفٌ لا يكتمل إلا حين تلتقي الأضداد. في صدري، تقيمُ اللغة العربية كمليكةٍ متوجة على عرشِ البيان؛ هي لغةُ "القلب" حين يفيض، والروح حين تشتاق. أعشقُ فيها تلك الموسيقى الكامنة في مخارج حروفها، وجزالتها التي تمنح المعنى ألف وجهٍ ووجه، إنها لغةُ الصحراءِ التي استطاعت أن تحوي العالم في قصيدة.
وعلى الضفة الأخرى، تسحرني اللغة الألمانية بمهابتها الفلسفية ودقتها المتناهية. هي لغةُ "العقل" الذي يبني العوالم كلمةً بكلمة، أجدُ في تراكيبها رصانةً تشبهُ غاباتِ بافاريا، وفي منطقها صرامةً تمنحُ الفكرة جسداً صلباً لا يميل. هي لغة "غوته" و"ريلكه"، حيث الكلمة ليست مجرد صوت، بل هي نسيجٌ فكريٌّ متقن.
ولكن..
حين تضاءُ الأنوار وتُرفعُ الستارة، تذوبُ اللغاتُ جميعاً لتنحني أمام لغة المسرح. المسرح هو لغتي العليا، هو "المقدس" الذي يجمع شتات جوارحي. فوق خشبة المسرح، لا تعودُ الكلماتُ مجرد أصواتٍ عربية أو ألمانية، بل تتحول إلى نبضٍ، وحركةٍ، وصرخةٍ كونية.
المسرحُ هو المكان الذي أترجمُ فيه بلاغة الضاد وقوة الألمانية إلى لغةِ "الجسد والموقف". هناك، أتحررُ من قيود القواميس لأتحدث بلغةٍ يفهمها كل من يملك قلباً نابضاً. إنني أحبُ العربية لأنها منحتني التعبير، والألمانية لأنها منحتني التفكير، والمسرح لأنه منحني الوجود.
"صخبُ اللغات.. صمتُ الخشبة"
(بقعة ضوء وحيدة في منتصف مسرح مظلم. الممثل يقف بملابس بسيطة، تتنازعه ثلاث هالات من الضوء بألوان مختلفة: الأخضر للضاد، الأزرق للألمانية، والأبيض الساطع للمسرح).
العربية (بصوتٍ جهوريّ ممتلئ بالرنين):
قِفْ مكانك! أنا البدءُ والمنتهى. أنا التي صغتُ عواطفك قبل أن تعي معناها. كيف تتركُ "الاشتياق" و"الوجد" و"الهيام" لتبحث عن حروفٍ قاسية تشبه قرقعة السلاح؟ أنا لغةٌ إذا نُطقت، سجدت لها القوافي.
الألمانية (بصوتٍ هادئ، واثق، وصارم):
Halt mal! (تمهّل!) العاطفةُ بلا منطقٍ فوضى، يا عزيزتي، أنا التي علمتُه كيف يبني الفكرة مثلما يُبنى الجدار، حجرًا فوق حجر. أنا لغة الفلسفة، لغة Gedanken (الأفكار). معي، لا يضيع المعنى في بحور البلاغة، بل يتحدد بدقةٍ مجهرية. العالمُ يُفهم بالعقل، لا بالوزن والقافية.
العربية (ساخرة):
عقل؟ وأين سحرُ البيان؟ هل سيقول لحبيبته "أنا أقدّرُ وجودكِ كعنصرٍ فاعل في حياتي"؟ أين "أنتِ روحي"؟
الألمانية (بثبات):
بل سيقول: Ich liebe dich.. بوضوحٍ لا يحتمل التأويل. الجمالُ يكمن في الحقيقة، لا في المبالغة.
(هنا، يرتفع الضوء الأبيض فجأة، ويهبط صمتٌ مهيب. يخطو الممثل خطوة للأمام، فتصمت الأصوات تمامًا).
لغة المسرح (صوتٌ يأتي من كل مكان.. عميق ودافئ):
كفى! أنتما كلتاكما.. مجرد "أدوات". أنتما الحبر، وأنا الورقة. أنتما الوتر، وأنا النغم.
أيتها العربية، أعطني جمركِ لأحرقه فوق الخشبة. وأيتها الألمانية، أعطني انضباطكِ لأسيّج به جنوني.
(الممثل يفتح ذراعيه للجمهور ببطء)
لغة المسرح (تكمل):
على هذه الخشبة، تسقطُ الجنسيات وتذوبُ القواميس. هنا، الصمتُ "جملةٌ مفيدة"، والنظرةُ "قصيدةٌ عصماء". أنا لا أحتاجُ مترجمًا، لأنني أتحدثُ بلغةِ الدموع التي تجري في برلين كما تجري في القدس. أنا "الفعل" الذي يسبق الكلمة. أنا الحقيقة التي تلبسُ قناع الزيف لتكشف وجه العالم.
الممثل (يختم المشهد بصوته هو):
أحبُّ العربية لكي أشعر، وأحبُّ الألمانية لكي أفهم.. ولكنني أعيشُ المسرح لكي "أكون".
(إظلام تدريجيّ)
-----------------
*مسرحي فلسطيني يعيش في القدس
مواضيع ذات صلة
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن