فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني

القاهرة- الحياة الثقافية- مهيب البرغوثي- شهدت الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب حضورا فلسطينيا لافتا، جسد تنوع المشهد الثقافي والفكري الفلسطيني، من خلال فعاليات وندوات وأيام ثقافية نظمتها سفارة دولة فلسطين في القاهرة. هذا الحضور لم يكن مجرد مشاركة رمزية، بل مثل فعلا ثقافيا متكاملا يهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية، ونقل الرواية الفلسطينية إلى العالم، ومواجهة محاولات الطمس والتزييف.
السفير اللوح: الثقافة جبهة موازية للدفاع عن القضية
وأطلع سفير فلسطين لدى مصر، دياب اللوح، الأدباء والكتاب الفلسطينيين المشاركين في المعرض على آخر المستجدات السياسية، مؤكدا أهمية استنهاض القطاع الثقافي وبناء جسور تواصل مع المجتمع المصري. وشدد على أن المثقفين الفلسطينيين أسهموا في تدويل الحقيقة الفلسطينية وتغيير الوعي الجمعي العالمي، داعيا إلى توحيد الجبهة الثقافية لمواجهة محاولات التزييف.
وأشار إلى أن تكاتف الأدوار بين روافد الفكر والثقافة والأدب والشعر والفن الفلسطيني، أسهم في تشكيل لوحة ثقافية متناغمة كان لها دور فاعل في مناصرة القضية الفلسطينية، إلى جانب صمود أبناء الشعب الفلسطيني وتضحياته الجسام.
وأكد أن رواد الفكر والثقافة نجحوا في تدويل الحقيقة الفلسطينية وتجسيد أصل الصراع على أرض الواقع، ما أسهم في كسب تأييد الرأي العام العالمي، وأثر في تغيير الوعي الجمعي، وتعزيز مواقف الدعم والمساندة لشعبنا الفلسطيني.
وقال السفير اللوح إن فلسطين تمر في مرحلة مفصلية تتطلب تضافر جهود العقول المبدعة والمفكرة، والعمل جنبا إلى جنب عبر أدوات القوة الناعمة لاستنهاض المشهد الثقافي الفلسطيني، وحفظ الإرث الفكري والثقافي، وتوحيد الجبهة الثقافية في مواجهة محاولات التزييف التي تستهدف عدالة القضية الفلسطينية من قبل قوة الاحتلال.
الثقافة سلاح وجودي
وشاركت سفارة فلسطين في ندوة بعنوان "القوى الناعمة في مناصرة القضية الفلسطينية"، على هامش المعرض.
ومثل السفارة، المستشار الثقافي ناجي الناجي، والروائي شفيق التلولي، والفنان التشكيلي والنحات فايز سرساوي.
وتحدث الناجي عن دور القوى الناعمة وتوظيفها في نقل الحقيقة الفلسطينية إلى العالم، لكشف حجم المعاناة التي يعيشها شعبنا في ظل الاحتلال المتواصل منذ عقود، مؤكدا أن الفكر الجمعي العالمي شهد تحولا ملحوظا نتيجة صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، والتضحيات التي قدمها في عموم الأراضي الفلسطينية، إلى جانب الجهود الثقافية التي بذلت عبر خوض مسارات جديدة أعقبت حرب الإبادة الجماعية، ما أسهم في إعادة صياغة مفهوم وأدوات القوى الناعمة بما يتلاءم مع ظروف الحرب.
وأشار الناجي إلى أن للمثقف اليوم دور لا يقتصر على إبراز الإبداع، بل يمتد إلى تثبيت الذات والهوية في معركة وجودية، بالتوازي مع معركته اليومية في الذود عن الحقيقة والصمود في وجه المحتل للحفاظ على الوطن والأرض. وأوضح أن الهجوم على الهوية الفلسطينية تضاعف بشكل ممنهج، في محاولة لإعدام فرص الحياة الكريمة، وإنكار الوجود الفلسطيني، وعزل الفلسطيني عن صراعه الحقيقي في الدفاع عن هويته وأرضه.
وأكد الناجي أن مسؤولية المثقف في أوقات الحروب والأزمات تتضاعف، ما يفرض عليه ممارسة إنسانيته والتعايش مع تفاصيل الحياة والحرب، مشيرا إلى تجربة سفارة دولة فلسطين في مصر خلال حرب الإبادة الجماعية، التي أثبتت أن الثقافة ليست ترفا، بل ضرورة حتمية في مواجهة محاولات تزييف التاريخ والحاضر طمعا في المستقبل.
من جانبه، أكد التلولي أهمية العمل الثقافي في دعم القضية الفلسطينية، والدور التوثيقي للأدب والكتابة في تسجيل مراحل القضية الفلسطينية، إلى جانب دورهما الثقافي، بما يسهم في نشر الوعي ومواجهة الرواية الإسرائيلية.
كما أوضح سرساوي أن الحصار والحرب لم يمنعا الفنانين الفلسطينيين في قطاع غزة من الإبداع، حيث قدم العديد منهم أعمالا فنية جسدت الواقع، ونجحت في نقل الصورة إلى العالم. وأكد أن الفنانين الفلسطينيين يمتلكون مقومات القوة الناعمة، التي مكنتهم من الدفاع عن حقوقهم عبر الفن، وتركوا بصمتهم في المشهد الفني العالمي.
توثيق الذاكرة ومواجهة الطمس
ونظمت سفارة فلسطين يوما ثقافيا تخللته ندوات وقراءات شعرية ونثرية، واستعراض لإصدارات فلسطينية جديدة.
وأكد الناجي، أهمية الفعل الثقافي والفكري في مختلف مراحل النضال الفلسطيني، ودوره في توثيق الحقيقة الفلسطينية وحمل راية الدفاع عن السردية الوطنية، والحفاظ على الذاكرة الوطنية، ومواجهة حرب الاحتلال على الهوية الفلسطينية.
وخلال اليوم الثقافي الذي أداره مسؤول الشؤون الأكاديمية والبحثية بالقسم الثقافي إياد أبو الهنود، جرى استضافة الناقد والمؤرخ محمد البوجي، الذي وقع موسوعته "التجربة الأدبية في فلسطين"، واستعرض خلالها مسيرته الفكرية والثقافية وإصداراته المتنوعة، مؤكدا أهمية إعلاء الصوت الفلسطيني في مختلف المحافل الثقافية والإبداعية لتحقيق تطلعات شعبنا في تجاوز آثار الحرب وتداعياتها.
بدوره، استعرض الشاعر رائد قديح الإصدارات الفلسطينية المشاركة في المعرض، وتحدث عن تجربته الأدبية والمؤسسية في مجال النشر، مؤكدا حرصه على صون السردية الفلسطينية والإرث الثقافي والفكري الفلسطيني، واصفا ذلك بأنه "المعركة الموازية" في ظل العراقيل التي تعترض هذا المسار.
كما عقد لقاء ثقافي فكري مع الكاتبة رولا غانم احتفاء بفوزها بجائزة كتارا للرواية العربية المنشورة، حيث أكدت أن الكتابة عن فلسطين تمثل تجسيدا لبطولة الإنسان الفلسطيني في حياته اليومية، وجزءا أصيلا من الدفاع عن الحق الفلسطيني المشروع في الوطن.
واختتمت الفعاليات بقراءات شعرية ونثرية بعنوان "من وإلى غزة"، بمشاركة الأدباء هبة الآغا، ومريم الخطيب، وفهد شهاب، ومنة بشير، كما ألقى الشاعران خليل حسونة، ولين الوعري قصائد لاقت تفاعلا كبيرا من الحضور.
غزة ما بعد الحرب.. رؤية لإعادة الإعمار
وعقدت السفارة ندوة بعنوان "غزة ما بعد الحرب.. رؤية متكاملة لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة"، بمشاركة السفير اللوح، ورئيس مجلس الوزراء المصري الأسبق إبراهيم محلب، ومساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد بدر الدين زايد، وممثلة عن رئيس مكتب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في مصر نورهان مرسي.
وقال عكاشة إن القضية الفلسطينية حاضرة على الدوام في أجندة معرض القاهرة الدولي للكتاب بوصفه أحد أبرز الأحداث الفكرية في مصر، مشددا أن القضية الفلسطينية تمثل قضية أمن قومي لمصر وتحظى بمكانة محورية في سياساتها.
من جانبه، استعرض اللوح، التحديات الجسيمة والمعاناة المتفاقمة التي يعيشها شعبنا في كافة أنحاء فلسطين، خاصة في قطاع غزة، في ظل تداعيات حرب الإبادة الجماعية التي استهدفت تدمير مقومات الحياة، مؤكدا أن حكومة دولة فلسطين تعمل بالشراكة الكاملة مع الشقيقة مصر والدول الصديقة من أجل التخفيف من وطأة الكارثة الإنسانية وتحسين الواقع المعيشي وتوفير مقومات الحياة الكريمة لأبناء القطاع.
من جانبه، قال محلب إن ما يجري في غزة غير إنساني على الإطلاق، وأن حجم الدمار الهائل شمل البنية التحتية والخدمات الحيوية، بما في ذلك المستشفيات، محذرا من الكارثة البيئية وتفشي الأمراض وارتفاع معدلات البطالة وتدهور أوضاع الأطفال، داعيا الأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف إنساني فاعل حيث إن الدور المصري يتصدر جهود معالجة الأزمة ومصر تمتلك القدرة والخبرة الهندسية للمساهمة في إعادة الإعمار، مقترحا إعادة تدوير مخلفات الدمار واستخدامها في البناء، إلى جانب تنفيذ خطة إسعافية عاجلة تشمل إدخال مساكن مؤقتة ومراكز صحية لضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة.
من جهته، أكد السفير زايد أن القضية الفلسطينية تتصدر أولويات الدبلوماسية المصرية، مستعرضا تجربته في رئاسة الوفد المصري لمؤتمر إعادة الإعمار عام 2014، مشيرا إلى تعقيدات المشهد الدولي والتحديات التي تواجه عمل الأونروا رغم دورها المهم.
بدورها، قالت ممثلة الأونروا، إن الوكالة تواجه تحديات جسيمة في ظل تعطل وصول المساعدات، مؤكدة أن قطاع غزة يشهد واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث، حيث يحتاج أكثر من مليون شخص إلى مأوى ورعاية إنسانية.
وشددت على أن الأونروا تواصل أداء دورها في تقديم الخدمات الصحية والتعليمية وتوفير المياه والغذاء، محذرة من أن أي تقييد لعملها سيؤدي إلى إبطاء جهود إعادة الإعمار.
مواضيع ذات صلة
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن