عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 31 كانون الثاني 2026

معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا

مهيب البرغوثي

ما زال الكتاب الورقي، رغم سطوة الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، هو الوسيط الوحيد الذي يجعلني أشعر بمتعة القراءة الحقيقية، تلك المتعة البطيئة، العميقة، التي لا تمنحها شاشة مضيئة ولا تمريرة سريعة بالإصبع. قبل أيام افتتح معرض القاهرة الدولي للكتاب، ذلك الحدث الذي لم يفقد بريقه رغم مرور السنين، وما زلت أحرص على حضوره والاستمتاع بشمس القاهرة ودفء شتائها الثقافي.

المعرض يبعد قرابة ساعة عن وسط المدينة بالسيارة، لكن المسافة لا تشعر الزائر بثقلها، فالرغبة في الوصول تجعل الطريق أقصر. هو عرس ثقافي حقيقي، تؤمه جميع الفئات العمرية: طلاب، مثقفون، عائلات كاملة جاءت للتنزه قبل أن تأتي للشراء، وأطفال يركضون بين الأجنحة وكأنهم يكتشفون عالما جديدا للمرة الأولى. هنا لا يكون الكتاب سلعة فقط، بل مناسبة اجتماعية وطقسا سنويا ينتظره الكثيرون.

لكن، وسط هذه الأجواء الاحتفالية، تبرز مفارقة لا يمكن تجاهلها: أسعار الكتب. فبينما يفترض أن يكون المعرض فرصة لتقريب المعرفة من الجميع، يجد القارئ نفسه أحيانا في مواجهة أسعار تشعره بأن المعرفة أصبحت ترفا. بعض الدور تحاول التخفيف عبر الخصومات أو إصدارات اقتصادية، بينما تصر دور أخر على تسعير يجعل القارئ يعيد الكتاب إلى الرف بحسرة.

ومع ذلك، لا تزال التجربة تستحق. مجرد التجول بين الأجنحة، تصفح العناوين، شم رائحة الورق، ومصافحة الكتب بالعين واليد، كل ذلك يمنح الزائر شعورا لا يعوض. فالكتاب الورقي ليس مجرد محتوى، بل علاقة طويلة الأمد، وصديق صامت يعود إليه القارئ كلما احتاج عزلة أو فكرة أو لحظة صدق مع نفسه.

ربما لن تنتصر معارض الكتب على السوشيال ميديا في السرعة ولا على الإعلام الإلكتروني في الانتشار، لكنها ستظل الملاذ الأخير لمن يؤمن بأن المعرفة لا تستهلك، بل تعاش. وأن الكتاب، مهما ارتفعت أسعاره أو تغيرت الأزمنة، سيبقى شاهدا على أن القراءة فعل حب… لا عادة عابرة.