عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 28 أيلول 2019

في منزلي قصة وطن

روان الأسعد

اليوم قررت ان اصطحبكم الى منزلي، بمحيطه وباحته وتفاصيله، منزلي  بموقع  مميز جداً، كل من يراه وينظر اليه، يراه جنة في مكان غريب، فهو متربع على علو تلة تحيطه أشجار الزيتون واللوز والعنّاب، والورود من شتى الانواع التي تقاسمت زراعتها امي (فاطمة) وجدتي (حليمة)، منزلي الآن محاط بشجر اقل، بعد ما قرر الاحتلال، كسر قلب جدتي حليمة (رحمها الله) وقطع ما يزيد عن نصف اشجارها، التي اعتنت بها كما لو انها بناتها واولادها . 
بوابة خضراء حديدية تستقبلك عند مدخل المنزل، وألوان زاهية مريحة لعين الضيف، باحة كبيرة إلى حد ما، لكن ان نظرت قليلاً الى الاعلى سترى خطا إسمنتيا يحاصر حيطان منزلي من جهة الغرب، ويقسم السماء الى نصفين ..!! ، انه جدار الفصل العنصري،  الذي اقامه الاحتلال على رفات شجر جدتي، رغم رمادية الجدار الكاتمة للروح، إلا انك إن أصغيت مطولاً ستسمع اناشيد البلابل والحساسين وهي تتقافز على اغصان ما تبقى من الشجر، وان نظرت الى باحة المنزل قليلاً، ستلاقيك بترحاب لافت عائلة قطط (بوبا) وهي قطة المنزل التي تعتبره  من مملكتها.
منزلي مخضرم عاصر عصور فلسطينية كثيرة، من الانتفاضة الاولى الى عودة أبو عمار، وانتفاضة النفق الى الانتفاضة الثانية، التي قست كثيراً على منزلي، لو نطق الحجر لسرد لك حكايات وقصصا، ففي باحته الامامية استشهد ستة اطفال في خضم احداث الانتفاضة الثانية، وفي باحته ايضاً انقذت عائلتي عائلة يهودية تاهت في أحداث الانتفاضة لتجد نفسها في منتصف مخيم قلنديا الى ان قادهم ابطال الحجارة، الى باحات منزلي، كون والدي طبيبا يتحدث الانجليزية كي يتواصل معهم ويفهم منهم كيف تاهوا وكيف يمكن مساعدتهم برغم ان رصاص جنودهم اطاح بحياة ستة اطفال في باحة منزله الامامية، والتي اصيبت فيها كذلك امي في رأسها، بعيار كاد يكون قاتلاً، لولا انها حركت رأسها بلحظة قدرية، فما أصابت الرصاصة فيها مقتلا بل جرحا بت اتلمسه بن الحين والاخر، وفي فضاء الباحة ايضاً رأيت محبوبتي رام الله، تقصف من طائرات اختارت سماء منزلي شاهداً عليها، انا اعيش في قلنديا منذ مولدي، نعم قلنديا واحبها او كما تقول امي (المربى غالي يما).
انها قنبلة صوت: قالت امي، واجبت لا: انه عيار رصاص حي من سلاح ثقيل، هكذا نتبادل اطراف الحديث وقت الذروة، وقت التصادم بين اطفال الحجارة، وأسلحة جيش الاحتلال في محيط منزلي، في هذا الوقت والدي يتأكد ان كل شبابيك المنزل مغلقة بإحكام، ليضمن عدم دخول الغاز المسيل للدموع الى قلب المنزل، نكمل حديثنا انا وأمي ونحاول تخفيف الضغط عن ابي بالدعابة، فهو يعاني من ارتفاع ضغط الدم، وهو بطبعه عصبي المزاج، امي وابي وعائلتي تحملوا كثيراً لاجل هذا المنزل، هل يا ترى لا نستطيع ان ننتقل الى مكان سكن اكثر هدوءا وظروف اقل حدة ...؟؟؟ ام ان في منزلي ما هو اكثر من حجر وشجر وطير و(بوبا) في منزلي قصة وطن.