خرائط يونس للروائي محمود حسني

بيسان فارس
عمل روائي يتمتع ببنية درامية متينة، و طرح مفعم بالغرابة و الغموض، و مشبع بالرموز و الأبعاد الميثولوجية و الفانتازية.
سار العمل بين خطين متوازيين، خط سردي محكم، مجرد أن يبدأ معه القارئ، يبقى في ترقب شديد و تتبع له، إلى أن يصل إلى نهاية الرواية.
و في الجانب الآخر لغة شعرية بارزة، مليئة بالصور و المجازات التي تقود مخيلة القارئ بسلاسة و مهارة، دون تلكؤ أو تعثر.
يونس الذي انتقل للعيش في جزيرة للأثرياء، قامت على نسف طبقة الفقراء و محو آثارهم، و فرض ثقافة الاستهلاك.
حيث شهد هناك فيما بعد موت الجزيرة بشكل تدريجي، ابتداءً من الأحداث الغريبة التي حلت بالحاكم، ثم الناس، ثم الظواهر الطبيعية الغريبة.
استعرض الكاتب هذه الأحداث و التفاصيل بطريقة أقرب إلى التلميح، فقد أشار إليها دون الغوص في أعماقها، و تركها بنهايات مفتوحة، و ترك للقارئ فرصة التنبؤ و التخمين، فجميع هذه الأحداث كانت عبارة عن ومضات أومأ بها الكاتب، كي يشير إلى الخطر و الهلاك الذي سيحل بالجزيرة و المدينة.
و من هنا بدأ دور الأساطير و الميثولوجيا، فقد عمل الكاتب على إسقاط بعض القصص الميثولوجية على تفاصيل الحياة اليومية و المعاصرة.
فنلاحظ هذا التزاوج بين الميثولوجيا و الواقع، و أحياناً بين الفانتازيا و الواقع _وكان هذا واضحاً في كثير من الأحداث_.
فالطابع الميثولوجي كان واضحاً في مناخ الرواية بشكل عام،
من خلال علاقة يونس مع الحوت الذي يسكن فيه، و يحلق شبحه دائماً في أحلام يونس، و ما بينهما من علاقة جدلية، تتأرجح بين أحلام يونس و حياته الواقعية، و كذلك بين علاقة الحوت مع يونس كشخص و مع المدينة و الجزيرة بشكل عام، فاحتضار الحوت ذي السبعين عاماً. لم يكن الا رمزاً لاحتضار الجزيرة و المدينة، و أنينه لم يكن إلا صوت ذاكرة جمعية، يتأجج و يصدح في سيناريوهات الرواية المضطربة، بمعنى آخر كانت قصة النبي يونس مع الحوت، هي الخامة الفكرية التي بنيت عليها حيثيات الرواية.
و باعتقادي أن هذا التوظيف الميثولوجي، الذي قام به الكاتب و مزجه مع تفاصيل الحياة اليومية، هو عبارة عن وسيلة، للإجابة عن الكثير من الأسئلة الوجودية الأزلية، و المعاناة البشرية التي بلغت ذروتها الآن و تفاقمت مع الإنسان المعاصر، أمام تقلبات ظروف الحياة العصرية ، و تراجع الاطمئنان و السكينة الروحية أمام التقدم العلمي و التقني.
و لعل غياب عنصر المكان _نوعاً ما_ أعطى الرواية أبعاداً إنسانية أكثر عمقاً و شموليةً، حاكت مشكلة الإنسان بشكل عام، و عالجت معاناته في البحث عن الاستقرار و السلام الداخلي، أكثر من بحثه عن حل جذري.
فعندما تصبح ضروريات الحياة خارج هامش اهتمامات الإنسان، و عندما تبرز و تتبلور اللاجدوى في حياتنا، و يصاب الوعي الإنساني بوعكة وجودية، يصبح الخلاص هو الهدف الوحيد.
اعتمد يونس في خرائطه على الرؤيا و الحدس، كوسيلة للإدراك، من خلال تداعيات درامية تناوبت بين أحلامه و تفاصيل حياته اليومية
هذه الخرائط ساعدته على التواصل الروحي بينه و بين علا بعد انفصالهما.
و وضحت هذا التداخل بين معاناته الذاتية كشخص و بين المصير الجماعي الذي حل بأهل الجزيرة و المدينة، و ربما المصير الإنساني بشكل عام في الوقت الحالي.
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت