عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 29 حزيران 2019

خرائط يونس للروائي محمود حسني

بيسان فارس
عمل روائي يتمتع ببنية درامية متينة، و طرح مفعم بالغرابة و الغموض، و مشبع بالرموز و الأبعاد الميثولوجية و الفانتازية.
سار العمل بين خطين متوازيين، خط سردي محكم، مجرد أن يبدأ معه القارئ، يبقى في ترقب شديد و تتبع له، إلى أن يصل إلى نهاية الرواية. 
و في الجانب الآخر لغة شعرية بارزة، مليئة بالصور و المجازات التي تقود مخيلة القارئ بسلاسة و مهارة، دون تلكؤ أو تعثر. 
يونس الذي انتقل للعيش في جزيرة للأثرياء، قامت على نسف طبقة الفقراء و محو آثارهم، و فرض ثقافة الاستهلاك. 
حيث شهد هناك فيما بعد موت الجزيرة بشكل تدريجي، ابتداءً من الأحداث الغريبة التي حلت بالحاكم، ثم الناس، ثم الظواهر الطبيعية الغريبة. 
استعرض الكاتب هذه الأحداث و التفاصيل بطريقة أقرب إلى التلميح، فقد أشار إليها دون الغوص في أعماقها، و تركها بنهايات مفتوحة، و ترك للقارئ فرصة التنبؤ و التخمين، فجميع هذه الأحداث كانت عبارة عن ومضات أومأ بها الكاتب، كي يشير إلى الخطر و الهلاك الذي سيحل بالجزيرة و المدينة. 
و من هنا بدأ دور الأساطير و الميثولوجيا، فقد عمل الكاتب على إسقاط بعض القصص الميثولوجية على تفاصيل الحياة اليومية و المعاصرة. 
فنلاحظ هذا التزاوج بين الميثولوجيا و الواقع، و أحياناً بين الفانتازيا و الواقع _وكان هذا واضحاً في كثير من الأحداث_. 
فالطابع الميثولوجي كان واضحاً في مناخ الرواية بشكل عام،
من خلال علاقة يونس مع الحوت الذي يسكن فيه، و يحلق شبحه دائماً في أحلام يونس، و ما بينهما من علاقة جدلية، تتأرجح بين أحلام يونس و حياته الواقعية، و كذلك بين علاقة الحوت مع يونس كشخص و مع المدينة و الجزيرة بشكل عام، فاحتضار الحوت ذي السبعين عاماً. لم يكن الا رمزاً لاحتضار الجزيرة و المدينة، و أنينه لم يكن إلا صوت ذاكرة جمعية، يتأجج و يصدح في سيناريوهات الرواية المضطربة، بمعنى آخر كانت قصة النبي يونس مع الحوت، هي الخامة الفكرية التي بنيت عليها حيثيات الرواية. 
و باعتقادي أن هذا التوظيف الميثولوجي، الذي قام به الكاتب و مزجه مع تفاصيل الحياة اليومية، هو عبارة عن وسيلة، للإجابة عن الكثير من الأسئلة الوجودية الأزلية، و المعاناة البشرية التي بلغت ذروتها الآن و تفاقمت مع الإنسان المعاصر، أمام تقلبات ظروف الحياة العصرية ، و تراجع الاطمئنان و السكينة الروحية أمام التقدم العلمي و التقني. 
و لعل غياب عنصر المكان _نوعاً ما_ أعطى الرواية أبعاداً إنسانية أكثر عمقاً و شموليةً، حاكت مشكلة الإنسان بشكل عام، و عالجت معاناته في البحث عن الاستقرار و السلام الداخلي، أكثر من بحثه عن حل جذري.
فعندما تصبح ضروريات الحياة خارج هامش اهتمامات الإنسان، و عندما تبرز و تتبلور اللاجدوى في حياتنا، و يصاب الوعي الإنساني بوعكة وجودية، يصبح الخلاص هو الهدف الوحيد.
اعتمد يونس في خرائطه على الرؤيا و الحدس، كوسيلة للإدراك، من خلال تداعيات درامية تناوبت بين أحلامه و تفاصيل حياته اليومية
هذه الخرائط ساعدته على التواصل الروحي بينه و بين علا بعد انفصالهما.
و وضحت هذا التداخل بين معاناته الذاتية كشخص و بين المصير الجماعي الذي حل بأهل الجزيرة و المدينة، و ربما المصير الإنساني بشكل عام في الوقت الحالي.