انعدام الكلية في سقوط الجدار السابع
بيسان فارس - شاعرة فلسطينية تقيم في الدنمارك

رأى الكاتب الراحل حسين البرغوثي في هذا الكتاب، أن الحياة البشرية مبنية على شكل هرمي، قاعدته ما يسميه دوستويفسكي "السبب الرئيسي أو الهدف المطلق".
و يجعل الكاتب من هذا "السبب الرئيسي" النقطة النهائية التي يريد أن يصل إليها الإنسان، منطلقاً من نقطة البداية، و التي تتلخص بالرغبة، رغبة الكائن البشري،و من هنا بدأ هذا الصراع الأزلي و الغليان النفسي الذي عانى منه الإنسان عبر التاريخ، انطلاقاً من رغباته، حتى يصل إلى الهدف المطلق أو الرئيسي، مع الأخذ بعين الاعتبار الصيرورة التاريخية، و تطور السبب الرئيسي مع تطور العلاقات الاجتماعية السائدة ، في كل مرحلة على حدى، و قد يختلف السبب الرئيسي بحد ذاته من مرحلة إلى أخرى ، فمن الممكن أن يكون في مرحلة معينة هو الحب، و في مرحلة أخرى هو الله، أو ايديولوجية أو عقيدة معينة...... ، حسب اختلاف المرحلة التاريخية، و الإمكانيات التي تقدمها كل مرحلة للإنسان، لكن في كل الحالات يرى الكاتب أن الهدف الرئيسي يصبح هو "الكل " و الإنسان و رغباته "الجزء" من هذا الكل، و تبدأ المشكلة، عندما تتسع هذه الفجوة بين الفرد (الجزء) و الهدف الأساسي (الكل)، بسبب عجز الإنسان عن فهم ذاته، و تحديد رغباته، و عدم قدرته على التمييز بين الرغبة و الحاجة، فتزداد إحباطات الفرد، و تتفاقم معاناته، و يتضخم شعوره بالعجز عن الوصول إلى السعادة المطلقة، فيضعف أو ينقطع هذا التواصل بين الجزء و الكل.
و في هذا الكتاب يستعرض الكاتب هذه الجدلية النفسية، و هذا التأزم الديالكتيكي الذي ظهر بعدة أشكال، وحاول الإنسان معالجته منذ بداية التاريخ البشري، من العصور القديمة ، حتى الرأسمالية الحديثة.
مروراً بنقطة الإنسان و الدين، من خلال علاقة الإنسان مع الذات الإلهية، بدايةً من الأديان البدائية التي آمنت فقط بالسحر و الأرواح إلى الأديان التوحيدية التي آمنت بالبعث، و بالروح القدس و المسيح المخلص، و كذلك توقف الكاتب الراحل عند تناول الحركات الصوفية لهذه المسألة، و طرق الخلاص لديها، على اختلافها و تباينها، في ترتيب أولوياتها، و طرقها العلاجية لهذا الإشكال، فلم تكن اليوغا و الكاراتيه و الصيام، إلا محاولات لتقريب المسافة بين الجانب الذاتي و الجانب الموضوعي للطبيعة البشرية، و طرقاً خاصة لتصور الإنسان للذات الإلهية و علاقته معها.
كما ناقش الكاتب عملية الإزاحة، التي قام بها الأدب، كي يوثق و يؤرخ هذه المعاناة الروحية التاريخية، فقد قام الأدب بتجسيد أشكال مختلفة لما سماه البرغوثي "انعدام الكلية"، أي الشقاء و الألم النفسي، الذي يحدث عند انعدام التطابق بين رغبة الإنسان و موضوع الرغبة، و يؤدي إلى فقدان الذات و تمزقها.
بدأ البرغوثي من الأدب العربي الجاهلي، فلم يكن شعر عنترة و الصعاليك إلا تعبيراً عن الظلم الاجتماعي السائد في ذلك الوقت، ثم انتقل إلى المتنبي و المعري و ناظم حكمت و مظفر النواب، بالإضافة إلى تناول بعض الشخصيات الأدبية كهاملت، و شخصيات دوستويفسكي، التي تدور جميعها حول مسألة واحدة، و هي مسألة الانتحار،
شخصيات دوستويفسكي التي فقدت أغلبها الروابط بين الذات و الحياة الواقعية، و بدأت تتقوقع على نفسها، و تنسحب بشكل تدريجي من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي، حتى تصل إلى نقطة عدم الجدوى و اللاهدف، بعد انهيار مفهوم الحياة و اختلال التوازن بين العالم الحقيقي و الخيال لديها، حيث تقود هذه الظروف جميعها إلى الانتحار.
ثم انتقل إلى السريالية، والحركة الدادائية التي ظهرت في سويسرا، من خلال تجمع عدد كبير من الأدباء و الفنانين الأوروبيين، في الحرب العالمية الأولى، رفضاً منهم للحرب، و ما رافق هذه المرحلة من أوضاع مأساوية و مزرية، مما جعلت روادها يمجدون الذات المنعزلة عن العالم، و يقدسون التمزق و تحويل سقوط الفرد إلى مبدأ يستحق الحياة.
حاول البرغوثي من خلال هذا الكتاب، تعرية الواقع، و المعاناة البشرية الأزلية، و المأساة الإنسانية القديمة المتجددة، حيث كشف تفاصيل رحلة التخبط البشري، و تأرجح الإنسان بين أطراف العديد من الثنائيات و الأضداد، كصراع الإنسان بين الأنا العليا و الدنيا، الأنا الظاهرية و الحقيقية، الحركة و السكون، عيش الحياة البشرية أو تأملها، الحاجة العقلية و الرغبة النفسية.... َو ما إلى ذلك من وسائل و آليات ساعدته على تسليط الضوء على هذا الإشكال، و هذا الشقاء الذي يعاني منه الإنسان، و هو غالباً ما يكون من صنع الإنسان نفسه.
استطاع البرغوثي أن يذيب هذا الحاجز الجليدي، و أن يسقط هذه الأقنعة التي تخفي عيوب وزيف هذا الواقع، لكن هل وجد حلاً؟!.
يقول البرغوثي في آخر الكتاب: "لا تبحث عن حلول في هذا الكتاب، لا حلول فيه، لأن الإنسان الحديث بشكل عام، لا حلول له".
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت