أوراق الغرفة 517
محمد الحارثي

قبل عامين تقريباً من رحيله، كتب الشاعر العُماني محمد الحارثي على وسادة المرض ما يشبه رحيله اليوم:
قسْطرَة
بعد شهر من العذاب الإكلينيكي؛ اضطررت لترك مستشفى الجامعة
لأصعد الطائرة على كرسيّ مُدولَب كالمُقعدين..
تساءلتُ لماذا أرادوا قتلي؟..
لتبرير فشلهم أمام الله والسُّلطان
ها أنا ذا نزيل الغرفة 517 في مستشفى بانكوك للقلب.
ما أسعدني، ما أسعدني!
ثمة غُرفة
ثمة شُرفة
وسماءٌ ماطرة أحياناً..
وجبات طعامٍ أشهى مما ذقتُ طوال حياتي
سقّايات وريدٍ ينبضُ بالكاد، حبوب زرقاء وخضراء
وبيضاء وسوداء كحلوى الأطفال.
شفطوا خلال 48 ساعة 9 كيلوغرامات
من بحيرة الماء المُتراكم دهراً في قفصي الصدري..
طبيبي يُشبهُ ضفدعة القلب الرَّفاص
لطيفٌ مُبتسِمٌ دومًا..
مِسماع أذنيه دقيقٌ
يَسبرُ مجرى نبضات القلب كضفدعة
المَحْو المسحور.
أجرى عملية قسْطرةٍ للقلب، وأخبرني:
عملية القلب المفتوح في 20 أبريل 2013
لا خطأ فيها، لكنّ القلب ضعيفُ الضّخ، وقد يستدعي الأمرُ
استزراع مُنظم ضربات للقلْب القُلَّبِ
علّك تُحمى في حالات الشِّدة من موتٍ قسريّ.
■ ■ ■
لم لا تبتسم الآن؟..
خبِرْتَها، خبِرْتَها هذه الحياة الحُلوة المُرَّة الحامضة المالحة
وأنت في المُنتصف تقريباً بين الخمسين والسِّتين
عدالةً لما انقضى، ولما تبقّى من وعود تغزلُ حَريرَها
في كهف الكُتب المُقدسة.
أمراضُك المُخلّدة بين الشهيق والزفير كافية
لتستشعر ريشة الفرق في جناحيك..
صدرُك المشقوق كقشرة سلطعون
على مائدة الطعام
كافٍ لتتذكر الأساطير التي تُتلى في المَجامِع
عن ساطور العمليات الجراحية.
إذًا تنفسْ بعدالة، وابتسِمْ الآن..
ترَ الله مُبتسِماً في وجهكَ التلميذ
مُبتسِمًا تراه
(دون أن يبوحَ بسِرِّ الأسرار)
في وجه الحَلّاج والشيخ ابن عَربي.
ألم يُخبروك أنه في يوم الدَّينونة
ابتسم في وجه كارل ماركس
وحيَّاهُ بحرارة؟..
أمل دنقل
تأمَّلْ وزمِّلْ بياض عظامِك في الكفنِ المُضمحِلِّ تُراباً
ولا تقلقنّ عزيزي أمَلْ!
فقلبي اطمأنّ أخيراً وما مَلَّ في هدأةِ الخفقان المُزاح من الظنِّ، من نِحلةِ الشّك في الشمسِ والظِّلِّ، تاج الحَكيمات، قرص المُنوِّم، خشخشة السَّيد الموت، موت الحياةِ وصَوت الأملْ..
ليس في المعهد القومي للأورام
بل هنا في مستشفى بانكوك
الذي ربما لم تسمع به.
قرأتكَ وترنمتُ بقصائدك وأنت على قيد الحياة
حين اعتقد كثيرون أنك امرأة..
رغم أنك دون سِواك
"سيد الرِّجالة" -كما تترنّمون بفخر- أيها الجنوبي الحُرّ..
حين كنتُ على وشك الموت في مستشفى جامعة السُّلطان قابوس استعدت تجربة الموت في "أوراق الغرفة 8". إعجابي في مراهقة الشعر بقصيدتك "الخيول" و"البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" و"زهور" أعاد إليَّ بنفسجة الأمل بعد 30 سنة..
هل تُصدِّق؟..
لديّ جارٌ غريق في الطابق الخامس هنا في مستشفى بانكوك
حدثته عنك، عن خيولك المُجنحة عابرة محيطات السَّماء
عن مُوبي ديك
(حُوت هِرمان مِلڤل الأبيض)
وقصة ماركيز:
أجمل رجل غريق في العالَم..
جاري هذا كان مُستغرقاً في سرنمة الغرق..
وحين قرأت عليه -بلغة التخاطر- قصيدتك المُقتبسة أعلاه
بكى، وتمنى لو يأتيه عزرائيل مبكِّراً
لأن أربطة الشّاش والقُطن أبيضان دائماً
حتى في مستشفى بانكوك..
■
"عِمْ صباحاً أيها الصقرُ المُجنّح
عِمْ صباحاً..
سنةٌ تمضي، وأخرى سوف تأتي
فمتى يُقبلُ موتي؟
قبل أن أصبحَ -مثل الصقر- صقراً مُستباحاً؟.."
■
البياض شيخُ سَواده اللاحق في كوب الحليب
حين تمتزجُ الألوان في عيني غريق الطابق الخامس
مثل عيني دلفين يُفكر في القفز من بحيرة المستشفى
لمتابعة الرسوم المُتحركة في تلفزيون الطابق الخامس
فالغريق والدّلفين كيف يتفاهمان في مُحيط الغرق..
لا أصعب من استباحة عُنفوان صقر جنوبيٍّ مُجنّح
لا أصعب من ذلك..
مثلك استُبيح جسدي في مسقط؛ وخبرتُ البياض
في لون معاطف الأطباء
وكمَّاماتهم وقفازات أيديهم التي تحميهم من قطرة دمٍ
مُلوَّثةٍ بالحياة.
بيد أنني عِشتُ، وها أنا ذا أيُّها الصَّقر المُجنح
أنجو بفضل كلمات تحقنُ تحت لساني لذاذة البلاغة والتّوريَة
علّها تُوجِّل رحيلي ولو إلى حين.
بانكوك 2016
■ ■ ■
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت