عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 أيار 2018

تغريدة الصباح- أيمن وجعفر والوزيران أبو بلطة وأردان

محمّد علي طه

نحن على بعد خطوة من الفاشيّة، وقد لا يوافقني قارئ ويقول: بل نحن في زمن الفاشيّة. وأظنّ أنّ في قوله شيئًا من الحقيقة لأنّ ما يحدث في هذه الأيّام ممارساتٌ فاشيّة صريحة يمارسها وزراء ونوّاب في الكنيست والشّرطة الاسرائيلية بلا رادع أخلاقيّ أو قانونيّ. ونحن الضحيّة. منذ سبعين عامًا ونحن الضحيّة. بنى اليمينيّ الكلمنجيّ المتطرّف بنيامين نتنياهو شعبويّته بالتّحريض علينا، وعمل جاهدًا مستغلًا موقعه العالي وإعلامه الواسع ليقنع اليهود في إسرائيل بأنّ المواطنين العرب طابور خامس وأنّ نوابهم ينتمون الى داعش ويسيرون تحت علمها. وتعلّم صغار السّاسة منه الأسلوب والنّهج فكلّما أراد قزمٌ سياسيّ أن يصبح نجمًا حزبيًّا قوميًّا وأن يفوز بالانتخابات التّمهيديّة لحزبه أو أن ينافس سياسيًّا متطرّفًا آخر أو أن يغطّي على سرقاته لجأ الى العمليّة السّحريّة وهي الهجوم الشّرس على المواطنين العرب وعلى قادتهم.

اغتالوا يعقوب أبو القيعان وهو مربٍّ ومدرّس علاقته بالسّياسة مثل علاقتي بعلم الذّرة واتهموه بأنّه مخرّب وداعشيّ ومن جبهة النّصرة ومن حزب الله ومن حماس والدّليل على ذلك أنّ الشرطة وجدت في غرفته صحيفة عبريّة فيها خبر أو تقرير عن داعش. يا له من دليل ساطع ويا لها من جريمة بشّعة. ماذا تقول يا عادل امام عن هذا الدّليل!.

وتظاهر مئات المواطنين العرب وبعض اليساريّين اليهود في القدس على مقربة من البؤرة الاستيطانيّة الأميركيّة عندما كان التّرامبيّونوالنّتانيّون يغنّون للعلم الأميركيّ فيها، تظاهروا بترخيصٍ من الشّرطة، لكنّ الشّرطة هاجمتهم بعنف على الرّغم من أنّ بينهم نوّابًا في الكنيست يحملون الحصّانة البرلمانيّة وشخصيّات اعتباريّة، وزعمت الشّرطة أنّهم رفعوا العلم الفلسطينيّ، وهي تدري أنّ هذا لا يخالف القانون، وزعمت أيضًا أنّ بعضهم هتف "الله أكبر". هذه تهمة كبيرة وخطيرة. الله أكبر. من قال ذلك؟ على العرب أن يهتفوا "ترامب أكبر".

آخر الطحن قرقعة. نحن نعيش في عصر نتنياهو وليبرمان وبينيت وأردان. في عصر فاشيّة اليمين المتطرّف. في عصر سيطرة المستوطنين على الكنيست وعلى الحكومة. في عصر صار قادة المستوطنين جنرالات وقضاة في المحاكم. والمستوطنون كما يعرف العالم لصوص استولوا على أراضي الغير.

وتظاهر مئات المواطنين العرب في مدينة حيفا القديمة ضدّ مجازر الجيش الاسرائيليّ في عنق غزّة. تظاهروا واهمين أنّ أفقًا ديمقراطيًا صغيرًا قدر سّم الخياط يجيز لهم التّظاهر فقمعتهم الشّرطة. عربٌ ويتظاهرون؟ طابور خامس ويتظاهر؟ واعتقلت الشّرطة خمسةً وعشرين شابًّا بينهم جعفر فرح الانسان المثّقف الدّمث المحاور الهادئ الّذي يعمل ليل نهار من أجل المساواة والعدالة والحقّ. وكسر رجل الشّرطة ركبة جعفر. هل هناك سبب؟ طبعًا. جعفر فرح يخاطب الشّارع اليهوديّ بعقلانيّة ويحارب الفاشيّة والظّلم والاضطهاد ويفضح التّمييز ويسير مرفوع الهامة منتصب القامة. أعرف جعفر منذ كان تلميذا نابغا في الكليّة الأرثدوكسيّة العربيّة بحيفا. الشّاب الوطنيّ الصّادق المناضل الّذي ترّبى في الشّبيبة الشيوعيّة على المبادئ الانسانيّة السّامية. أعرف جعفر الانسان الجميل المحبوب، وتابعت مسيرته العامرة الغنيّة في الجامعة وفي جمعيّة مساواة. أعرفه انسانًا عقلانيًا ذكيًا وفهمان. يعرف مخاطبة الآخر ولذلك كسروا ركبته في سبيل كسر رقبته وقطع لسانه.

النائب أيمن عودة، رئيس القائمة المشتركة، القائمة الثالثة في كنيست إسرائيل، مناضل وطنيٌ أمميّ شجاع وتلميذ نابغ في مدرسة فلنر- طوبي- زيّاد ومثّقف كبير ومرجع في أشعار المتنبيّ وزيّاد ودرويش والجواهريّ ومحاور ذكيّ جدًا يعرف الآخر ويفهم الآخر، وقائد سياسي لامع. عرفته شابًا صغيرًا حينما كان تلميذي في الكليّة الارثوذكسيّة العربيّة وكان قائدا منذ وطئت قدماه ساحة الكليّة في حيّ الموارس الّذي صار اسمه شارع يتسحاق سديه. توسّمت فيه الخير والقيادة وهو في الصّفّ التّاسع. رضع من التّراث الشيوعيّ والجبهويّ. التّراث الوطنيّ الانسانيّ، وتعلّم أن وظيفة القائد هي أن يحمي الجماهير لا أن يحتمي بها. قد يغار البعض من أيمن عودة لأنّه اخترق الاعلام العبريّ والعالميّ وهذا أمر طبيعيّ وإنسانيّ. وقد يغبطه البعض على نشاطه الدؤوب وعلى الاهتمام العالميّ به وهذا أمر طبيعيّ وإنسانيّ أيضًا. وبين الغيرة والغبطة وبين وضع المسامير والبراغي في عجلات السيّارة بعد شاسع تقع فيه صحارٍ وبوادٍ ووديان وجبال ومروج. هو البعد بين أيمن عودة الانسان وبين مستوطن اسمه ليبرمان.

تحريض الوزيرين ليبرمان (أبو بلطه) وأردان على أيمن عودة هو تحريض شرس سافل يدعو بصراحة إلى قتله، إلى اغتياله، إلى ازالته عن السّاحة السّياسيّة.

تحريض الوزير أبو بلطه تحريض ممنهج ومدروس ومخطّط له لأنّ أيمن عودة بأقواله وبأعماله وبأسلوبه النّضاليّ وعقلانيّته ولغته الواضحة يفضحهم محليًّا وعالميًّا ويعرّيهم ويسحب السّجادة من تحت أقدامهم فلا عجب "أن يفيعوا مثل المدبرة" كلّما صرّح تصريحًا أو قال قولًا ولكن العجب كل العجب أن يلتقي بعض الشّبّان من أحزاب وطنيّة مع ليبرمان وينسون مجزرة غزّة، ينسون 62 شهيدًا وألفي جريح ويشتمون أيمن عودة. "وما أنا الا من غزيّة ان غزت غزوت" والقضيّة ليست رمّانة، بل ما زالت قبيلة عبس تغزو قبيلة ذبيان وما زال بنو تميم يغيرون على بني أنف النّاقة.

يستطيع هؤلاء الشّبّان أن ينتقدوا أيمن عودة متى شاءوا ولكن بين النّقد وبين الشّتيمة دنيا واسعة. لماذا كلّما برز منّا سياسيّ أو قائد أو فنّان أو شاعر أو عالم نعمل على تقزيمه وافشاله؟

تحريض ليبرمان وأردان على عودة هو تحريض على مليون ونصف المليون عربيّ في هذه الدّولة، والدّفاع عن عودة هو دفاع عن حريّتنا ووجودنا وكرامتنا. ليس شخص أيمن عودة المقصود في فحيح ليبرمان بل أنتَ وأنتِ وأنا، وهي وهو. هؤلاء المتطرّفون ما زالوا يحملون فكر إسحاق رابين في بداية الانتفاضة الأولى عندما قال: "إمّا نحن وإمّا هم وعلى طرف أن يبيد الطّرف الآخر ولن نكون المبادين". أطفال الانتفاضة جعلوا رابين يغيّر سياسته ويرى الأمور بعينٍ أخرى. وأمّا ليبرمان وبينت فما زالا جاهلين، وأمّا مجازر غزّة فلم تمنع هؤلاء الشّبان من نسيان القبيلة وثاراتها ورواسب داحس والغبراء، وأتخيّل المستوطن ليبرمان يضحك ملء كرشه ويقول: عربٌ عرب!

خصّصت صحيفة "هآرتس" افتتاحيّتها يوم الثلاثاء 22 أيّار دفاعًا عن أيمن عودة وانتقادًا شديدًا لتحريض ليبرمان وأردان عليه بينما ما زالت أصوات قياديّة عندنا وأحزاب ومؤسّسات وصحف صامتة على الرّغم من أنّهم قرأوا من قبل كتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفّع مثلما قرأوا قصيدة أحد القساوسة الّتي كتبها في الحرب العالميّة.

أيمن عودة يمثّل 444 ألف ناخب اختاروا القائمة المشتركة ويمثّل صمود وبقاء هذه الأقليّة ذات القامات المنتصبّة والهامات المرفوعة ويمثّل الصوت العقلانيّ العربيّ واليهوديّ في البلاد. يمثّل المستقبل.

ونحن على بعد خطوة قصيرة جدًا من الفاشيّة بل صرنا نحسّها على جلودنا.