شيء من الحب إلى شعبي اللبناني
تغريدة الصباح- حنان باكير
شاءت الأقدار، لم نشأ نحن ولا أنتم شئتم. سبعون سنة، ونحن ضيوف بالقسر والإكراه. أنتم مكرهون على تقبل ضيافة طالت لسبعين سنة، ونحن مرغمون على البقاء، في ضيافتكم، الى أجل تقرره الأقدار.. إنها دكتاتورية القدر، التي لا تستشير ولا تحاور، تأتينا من الغيب كالصاعقة لترسم مصائرنا. يوم حلّ أهلنا ضيوفا عليكم، تركوا كل شيء خلفهم، فالرحيل، كما وُعدوا، لن يطول لأكثر من خمسة عشر يوما، لأن وجودهم، كان يعرقل تحرك آليات سبعة جيوش عربية. خلنا، نحن وأنتم، أنها زيارة عابرة، فالجيوش السبعة دخلت البلاد، ووعدتنا بالنصر. لم يجُل في خواطرنا، أن جيوشا سبعة سوف تهزمها "عصابات"، مهما بلغت درجة تدريبها من الاتقان والشدّة.
وبعد سبعين سنة، كلانا ضاق ذرعا، بضيافة لم تعد مقبولة.. وأجيالنا ما زالت تتوارث الضيافة، التي صارت لجوءا.. بكل ما يعني مفهوم اللجوء، من تدنّي المرتبة الاجتماعية للاجئ مهما بلغت ثقافته، ووضعه الاقتصادي والاجتماعي.. ولا يُنظر له، على أنه مَلَكَ ذات يوم، بيتا وأرضا وحديقة، ووطنا يشبه سائر الأوطان.. بل يبدو وكأنه خلق هكذا لاجئا مشردا!
مرويات الطرفين، الفلسطيني واللبناني، عن بداية اللجوء، وتبادل مشاعر ونظرات الحذر والريبة، فرضت وجود مساحة بين الطرفين. لكن الوقت لم يطل، وكان الاندماج المبهر بين الشعبين.
سبعون سنة كانت كافية، لخلق وخلط مشاعر متضاربة. أحببنا لبنان، "كوطن" واقعيّ، لم نعرف سواه. كان قدرنا، أن نولد أو ننشأ على ترابه. فأحببناه بطرقاته وأزقته، وتعلمنا في مدارسه. وبنينا أهلا وأحبة من شعبنا اللبناني، تشاركنا الأفراح، وتقاسمنا الأوجاع، ومن اغترب منّا، لم يستطع الانفلات من حبه والشوق إليه.. لكن بقي وطن الأجداد المضيّع يسكن الوجدان، ويواصل نموه فينا.
جاءت سنوات الحروب المتواترة على أرض لبنان.. جمعتنا حينا بفرقاء، وعداوة مع فريق آخر.. في الحروب، كل الأطراف ترتكب الحماقات، وتتجاوز حدود الإنسانية والأخلاق. وأفرزت الحرب تحالفات، متنقلة ومتبدّلة. لكن البسطاء من الناس، لم تتغيّر مواقفهم، وحافظت صداقاتنا على حميميتها.
ثم وجدنا أنفسنا نواجه أهوال الحرب معا، عشنا في الملاجئ، والقصف الأحمق، طالنا جميعنا.. فلسطينين/ ولبنانيين، لم يدر في خاطري يوما، أن أكون مع فريق ضد فريق آخر.. فالشعب اللبناني، وبكل أطيافه الدينية والوطنية، وقفت الى جانب قضيتنا.
حدثني فلسطينيّ، كيف كانوا يجمعون التبرعات، من المنطقة الشرقية لبيروت، لصالح الفدائيين، وأن بعض النسوة ممن لم يملكن المال، قد تبرعن ببعض مصاغهن. وأن امرأة خلعت خاتم زواجها "المحبس"، وتبرعت به! وفي مقابلات صحفية، أجريتها مع بعض الشخصيات اللبنانية، حدّثوني عن علاقة اللبنانيين بفلسطين، ومعظمهم ممن عملوا، أو ناضلوا فوق ترابها.
وفي سابقة حضارية، تُسجّل للطرفين، قدم السفير الفلسطيني السابق، في لبنان، عباس زكي، رسالة اعتذار للشعب اللبناني، على التجاوزات الفلسطينية في لبنان. وبدوره قام تجمع مسيحي، بتقديم اعتذار مماثل، عن الانتهاكات اللبنانية، بحق الفلسطينيين. كم أسعدتني تلك المبادرة الراقية، وكتبت، في حينها، مقالة حول تلك الاعتذارات المتبادلة. كم تمنينا أن تُترجم عمليا، في إجراءات تعترف بآدمية الفلسطيني.
الفلسطينيون في لبنان، طبقة سواح. يقيمون على أرضه، بلا عمل. يعيشون على تحويلات الأبناء والأقارب.. وبعضهم لهم شركاتهم ومصالحهم الخاصة. رغم أن الفلسطيني في لبنان، هو جزء من الدورة الاقتصادية، لا يرسل أمواله للخارج، كبقية الجنسيات التي لها حق العمل.. ولأن البطالة أم الرذائل، وحرمانهم من العمل، يحوّل المخيمات، الى لقمة سهلة للحركات السلفية، التي تصطاد في التجمعات الفقيرة. وشعبنا اللبناني يدرك، أن لا التملك ولا العمل يثني الفلسطيني عن حقه في العودة.
مسيرة طويلة امتدت لسبعين سنة، حفلت بالانتصارات والمطبات، ترافق فيها الشعبان الفلسطيني واللبناني، في رباط كاثوليكي، لا انفكاك منه الا بتحقيق عودتنا الحتمية، الى تراب أرضنا الطيبة.. سنبقى نحب لبنان وأهله.. ولكنّه ليس بديلا عن فلسطين..
كتبت ذات زمن مضى، ما يختصر علاقة الفلسطيني مع لبنان..: "أحبّ لبنان بصمت عاشقة في مجتمع مرتاب، حتى لا يُفهم أننا نريده وطنا بديلا"!