عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 نيسان 2018

نبض الحياة- لا تعايش تحت الاحتلال

عمر حلمي الغول

لا يفاجأ الإنسان عندما يقلب الساسة الاستعماريون، أو حلفاؤهم الوقائع لتبرير احتلالهم وجرائمهم، أو اضفاء وصف "آدمي" أو "وردي" أو "رش السكر على الموت"، كما يقول المثل الشعبي على الاستعمار. لأنه لا يملك سلاحا إضافيا لسلاح القتل والاعتقال ونهب وتهويد الأراضي واستباحة مصالح وحقوق الفلسطينيين إلا سلاح الكذب والتزوير وقلب الحقائق رأسا على عقب لتمرير روايته الكاذبة.

من الأمثلة الوقحة والفاجرة في دونيتها ورخصها، تصريح ديفيد فريدمان، سفير أميركا في إسرائيل، الذي أعلن يوم الإثنين الماضي في مناسبة قيام وتأسيس إسرائيل على أنقاض نكبة الشعب الفلسطيني في "مركز ميراث بيغن" عن "وجود نموذج تعايش مثير للإعجاب في القدس"؟؟!! وكان مشاركا الفاسد الأكبر، رئيس حكومة الائتلاف اليميني المتطرف، وعدد من السفراء الأجانب.

ليس مطلوبا تحديد هوية فريدمان ودوره في الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي، لأنها باتت واضحة للجميع. وبالتالي موقعه الكولونيالي يكشف خواء وبؤس وإفلاس ما ذهب إليه السفير الأميركي البشع. فعن أي "تعايش" يتحدث؟ وما هو "المثير للإعجاب" لديه؟ هل هي سلسلة الانتهاكات وجرائم الحرب المرتكبة من قبل جنود وضباط جيش الموت الإسرائيلي، وحرس الحدود والشرطة الإسرائيلية، أم نهب البيوت ومصادرتها؟ أم حرق وقتل الشهيد الطفل محمد أبوخضير؟ أم إغلاق بيت الشرق ومسرح الحكواتي ومؤسسات منظمة التحرير، وغيرها؟ أم اقتحامات قطعان المستعمرين لباحات المسجد الأقصى يوميا تحت حراب الجيش والشرطة الإسرائيلية؟ أم وضع البوابات الإلكترونية، التي أُرغمت حكومة نتنياهو على إزالتها؟ أم سحب الهويات من المواطنين الفلسطينيين؟ أم التغيير المنهجي الديموغرافي للقدس العاصمة الأبدية الفلسطينية؟ أم تغيير اسماء الشوارع والميادين؟ أم ملاحقة الكنائس والأديرة والمدارس التابعة لها بالضرائب، وحرق بعضها بشكل متواصل من قبل مجموعات "تدفيع الثمن"؟

عن اي نموذج يتحدث المستوطن الاستعماري فريدمان للتعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ وهل يمكن بناء ركائز للتعايش وفق معايير المحتل المستعمر؟ ومن قال إن الشعب الفلسطيني الواقع تحت نير الإستعمار منذ خمسين عاما خلت في اراضي دولة فلسطين المحتلة في الخامس من حزيران 1967 يعيش، كما يجب ويليق بالإنسان في أي مكان من دول العالم المستقلة؟ وهل ينعم الطفل الفلسطيني بالحد الأدنى من الحياة الحرة والكريمة؟ وهل مدارس الفلسطينيين توفر الحد المعقول لمواصلة دراستهم وتحصيلهم العلمي؟ ولماذا ترفض دولة الاستعمار الإسرائيلية منحهم حقوقهم في بناء مدارسهم ومؤسساتهم التعليمية والصحية والثقافية والدينية؟ وهل يمكن لشعب من شعوب الأرض ان يعيش تحت نير الاستعمار "نموذجا مثيرا للإعجاب"؟ ومن قال إن شعوب الأرض تذعن لمشيئة المستعمر؟ ولماذا المقاومة الفلسطينية بكل اسمائها وألوانها ضد المستعمر الإسرائيلي إذا كان هناك "تعايش مثير للإعجاب"؟

السفير الأميركي، فريدمان ليست المرة الأولى، التي يدلي فيها بمواقف داعمة ومؤيدة للاستعمار الإسرائيلي، لأنه هو نفسه مستعمر، ويقيم في المستعمرات، ويتبرع سنويا لدعم الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي على حساب الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية، ولم يفاجئ ابن الحاخام اليهودي المتطرف أحدا من الشعب الفلسطيني، ولا حتى في اوساط السلك الدبلوماسي العامل في إسرائيل، أو حتى قطاعات الرأي الإسرائيلية، لأنهم يعرفون من هو. أضف إلى ان موقفه لم يتميز عن موقف إدارته المتورطة بشكل فاضح في دعم خيار الاستيطان الاستعماري، والتي اعترف رئيسها ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ووعد بتقديم صفقة القرن المتساوقة مع الإستعمار الإسرائيلي في اللحظة السياسية المناسبة لتمريرها إن أمكنه ذلك، والتي شطبت وزارة خارجيتها من تقريرها السنوي عن حقوق الإنسان هذا العام مفهوم الاحتلال، وأسقطته عن الضفة وغزة والجولان السورية. وبالتالي ليس مستغربا ان يعلن ما أعلن بوقاحة غير مسبوقة.

وأود التأكيد للسفير الأميركي المجرم، لا يوجد احتلال في العالم يمكن التعايش معه. والاستعمار بشع ووحشي ولا يستقيم مع معايير الإنسانية الحرة، ولا مع مواثيق وأعراف ومعاهدات وقوانين الأمم المتحدة، الاحتلال مُّرْ ايها السفير البشع، ولا يمكن ان يكون هناك أي نوع من أنواع التعايش بين الشعب الفلسطيني ومستعمريه الإسرائيليين إلا بعد انسحابهم من أراضي دولتهم المحتلة، والسماح لهم باستقلالها، وحصولها على السيادة الكاملة وعاصمتها القدس الشرقية، فهل تدرك هذة الحقيقة أم تحتاج إلى مرشد ليدلك على انتفاء كل اشكال التعايش. ما هو قائم من علاقة، هو علاقة بين دولة استعمار وشعب مستعمَر، أيها المستعمر.

[email protected]