أهمية الموروث الثقافي الفلسطيني في تعزيز واثبات الحق الفلسطيني في أرضه
فادي شاهين
تعتبر فلسطين متحف تاريخي، وهي ثروة وطنية مهمة يعود تاريخها لآلاف السنين ، فهي مهد الحضارات والديانات فقد تعاقبت عليها العديد من الحضارات الكنعانية و الأشورية ،والبابلية ،والفرس ، والرومان ، والبيزنطينيون..... والعثمانيون
ويمثل الموروث الثقافي هوية المجتمعات، ويعكس ماضيها، ويمثل للدولة والشعب ثروة معرفية ومادية لا يمكن الاستغناء عنها، ويقع على عاتق الدولة والمجتمع الحفاظ على هذا الموروث من الضياع أو النسيان أو السرقة، ويشمل هذا الموروث جوانب عدة في حياة الإنسان، ولا يقتصر على الجانب المعنوي (ثقافة الزواج والولادة والموت، والمعتقدات الشعبية، والأغاني الشعبية والأمثال، والحكاية الشعبية الفلسطينية التعبيرات الثقافية) بل يتوسع ليشمل الجانب المادي(المقتنيات الأثرية والمباني المعمارية العريقة ضاربة الجذور في عمق التاريخ، وتشمل المنشآت القديمة مظاهر جمالية تتمثل في القباب والأعمدة والأقواس والمشربيات والأبواب والساحات والممرات والزوايا والتكايا كتلك الموجودة في مجمل البلدات الفلسطينية القديمة، ويشمل الموروث المادي أشجار الزيتون الكنعانية والرومانية، وكذلك صناعة الزجاج والفخار، والقش، والحفر على خشب الزيتون والصابون والخيزران، والصدف، والخزف، وحياكة البساط البلدي والتطريز والمجوهرات والأثاث والقطع النقدية والفنية النادرة،)، ويعود على المجتمع بالربح والفائدة المادية الملموسة في حال استغلاله عبر تفعيل السياحة ويعزز وعي المجتمع بهويته وثقافته وحضارته الفلسطينية.
ويشكل الاحتلال الإسرائيلي تحدياً رئيسياً يسهم في استنزاف هذا الموروث منذ نشأته على أرض الشعب الفلسطيني في عام 1948م، وتبلورت ملامحه بعد احتلال ما تبقى من فلسطين في عام 1967م، ومارس هذا التعدي عبر أساليب رسمية ومنظمة تمارسها المؤسسات الحكومية الإسرائيلية وأخرى غير رسمية أشرفت عليها مؤسسات المجتمع المدني وقِطاع تُجار الآثار حيث قبل مجيء السلطة الوطنية الفلسطينية ، كانت الآثار مشاعاً لسلطات الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وكان السماسرة لهم دور بارز في في تسهيل ونقل وبيع الكثير من الحجارة القديمة الأثرية، والتي يتم بناءها بالمستوطنات بعد وضع النقوش لإعطاء أنفسهم الأحقية بذلك، واستغلال هذه الآثار لصالحهم.
لكن بعد قدوم السلطة الفلسطينية وإنشاء الوزارات السيادية ، أصبحت هناك متابعة وملاحقة ومحاسبة للمتورطين في التنقيب عن الآثار وتهريبه وبيعه للكيان الإسرائيلي ،إلا أن خصوصية الوضع الأمني والسياسي وعدم قدرة الأجهزة الأمنية بفرض السيادة الكاملة على مناطق ب ،ج أعاق عمل هذه المؤسسات المختصة بضبط المتورطين في التنقيب واللذين يبيعون هذه الآثار والكنوز الدفينة بأسعار زهيدة، متجاهلين بذلك القيمة الوطنية والتاريخية والتراثية والثقافية والتربوية والاقتصادية والتنموية
عند الحديث عن الدور الحكومي والمؤسساتي الإسرائيلي في التعدي على المورث الحضاري الفلسطيني تقف المتاحف والبلديات ومراكز الأبحاث الأثرية الإسرائيلية المختصة على رأس الجهات الفاعلة في مجال الاعتداء على التراث والموروث الفلسطيني، إلى جانب المؤسسات الثقافية والتربوية التي تسهم في استبدال الحق الفلسطيني حول الموروث الحضاري لهذه البلاد وتشويهها، وتستبدلها برتوش ومقاطع ومشاهد مغلوطة لا تمثل حقيقة الأصل الفلسطيني لهذه المقتنيات والمصنوعات والروايات والشواهد الأثرية، إنها تمثل أكبر جريمة سرقة عرفها التاريخ الإنساني، وهي استبدال الهوية وسرقة ذاكرة الشعب وثقافته وشواهد حضارته، ونسبها إلى المحتل.
وحده الفلسطيني من يمكنه أن يحافظ على هذا الموروث الثري، عبر تعزيز وعي الأجيال بأهمية الحفاظ على الموروث الحضاري من الضياع، وعبر الجهود المجتمعية المشتركة التي يمكن أن تضاعفها مؤسسات المجتمع وهيئاته وتنظيماته الشعبية وأحزابه وأفراده، وهي مجهودات متراكمة وتُمارس منذ عام 1948م، وأسهمت في الحفاظ على هوية هذا الشعب وموروثه الثقافي.
وعَبر العمل الحكومي الفلسطيني الرسمي الذي بدأت أولى خطواته على ارض فلسطين منذ عام 1994م، وذلك من خلال تكامل دور مؤسسات الأمن والتعليم والإرشاد الديني والثقافة والسياحة والآثار والقضاء، ولا يمكن أن نتجاهل دور القضاء وضرورة تفعيله، وتفعيل القوانين وتطوير التشريعات الخاصة بكل أشكال الاعتداء على التراث والموروث الثقافي.
وتقدم هذه المقالة المتواضعة بدائل ونصائح لصانع القرار حول مجموعة من التدابير والإجراءات التي يمكن الاعتماد عليه بهدف حماية الموروث الثقافي الفلسطيني ، وتطويعه لصالح إثبات حق الشعب الفلسطيني في أرضه كون الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي هو صراع هوية ووجود، ولأن الموروث الثقافي يمثل أهم مجالات هذا الصراع، وعبره يحاول الاحتلال أن يسرب أو ينشر ويعمل على ترويج روايته التاريخية، ولأن واقع تعامل الشعب الفلسطيني مع موروثة الثقافي لم يصل إلى المستوى المطلوب واللائق بحجم التحديات والمخاطر، رغم اهتمام المؤسسات الرسمية والشعبية بالحفاظ على الموروث الثقافي إلا أنها لم تستطع وقف نزيف سرقته أو منع الاعتداء عليه، ولم يصل المجهود الفلسطيني الرسمي والشعبي إلى المرحلة المطلوبة في موضوع إثبات الحقوق الفلسطينية عبر تطويع كل الجهود والأدوات بما فيها الموروث الثقافي لصالح إثبات الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في أرضه.
نشر الوعي عبر المؤسسات الرسمية والأهلية، إنشاء مزيد من المتاحف والمعارض، مضاعفة الإنفاق الحكومي في قطاع الآثار والسياحة، تدريب كادر مختص في مجال تفعيل السياحة وترميم الآثار، إصدار وتفعيل مزيد من القوانين والتشريعات، بذل الجهد في سبيل الحصول على السيادة الكاملة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، تمويل وتأليف الكتب ودوائر المعارف وتحقيق المخطوطات ذات الاهتمام بالموروث الثقافي الفلسطيني، المشاركة في المعارض الدولية والإقليمية، عقد ندوات ولقاءات محلية ذات طابع دولي وإقليمي، تفعيل الشراكة والتعاون بين التكتلات والدول والمؤسسات في موضوع الموروث الثقافي، إضافة المزيد من المواقع والمدن الأثرية الفلسطينية ضمن المواقع الأثرية العالمية، إنشاء مزيد من المتاحف والمعارض، تفعيل دور المؤسسات والقنصليات الفلسطينية في الخارج، طباعة المزيد من الكتب والوثائق التي تهتم بالتراث الثقافي وإهداؤها لقادة وزعماء ووفود العالم، وبلغات متعددة، مضاعفة الإنفاق الحكومي في قطاع الآثار والسياحة، تمويل جمعيات ولوبيات فلسطينية وعربية وإسلامية تهتم بنشر التراث الثقافي الفلسطيني في أوروبا والعالم، التنسيق مع الأشقاء العرب في موضوع نشر القضية الفلسطينية عبر المؤسسات العربية. تعزيز الشراكات مع مؤسسات المجتمع المدني، في محاربة قضايا سرقة الآثار وإيجاد حاضنة للتعامل مع المنقبين عن الآثار بطرق غير مشروعة، تسليط الضوء على ممارسات إسرائيل وسيطرتها على المناطق الاثرية، وكذلك المواقع الأثرية التي تم عزلها خلف جدار الضم والتوسع العنصري.
وفي النهاية ماكتب يجب ترجمته إلى واقع عملي ملموس من أجل مستقبل مشرق مليء بالعطاء والرقي والتقدم وصنع المستقبل، فلسطين تستحق مالا يستحقه أحد.
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت