“قاعد في حضني وبنتف في دقني”
كتب: سلطان الحطاب
"يتجمعون عليه تجمع الأكلة على قصعتها" ولكن شعبه الذي يلتف حوله ويؤيده ويرى صبره ومثابرته لن يهزم وسيخذلهم.. لقد قال ابو مازن للادارة الاميركية التي أعطت القدس لاسرائيل "لا" كبيرة وهي التي يرتجف منها غيره حتى وان كانت صغيرة وفي مواضيع هامشية".
"سألني أحدهم لماذا يستطيع عباس أن يقول (لا) بملء فمه ويبق البحصة حين يريد" ..؟؟
"ليس لدى الرئيس عباس لغتان واحدة لشعبه وأخرى لأعدائه أو خصومه وإنما لغة واحدة قائمة من ثوابت قضيته وليس لديه شيء فوق الطاولة وآخر من تحت الطاولة، وهو يستعمل البوصلة التي تدل على حقوق شعبه وقد أخذ مهمته الأولى من دعوته وعمله المستمر لتجسيد الدولة الفلسطينية التي نقلها من مجرد حلم الى حقيقة يعمل عليها، ولم يمل مهمة "سيزيف" في الاسطورة في محاولة الصعود بالصخرة الى الجبل حتى ينجح أخيرا. وهو يرى النور في نهاية النفق ويرى أن قضيته قد حصدت حصادا وفيرا وهي تكسب وتكتسح ويرحب بها وبخطابه عنها في عديد من عواصم العالم التي استقبلته وما زالت تستقبله.
على نهج الرئيس عرفات في الاصرار للوصول الى الدولة المستقلة وهو النهج والطريق الذي سقط عليه شهداء وما زالوا يسقطون ، فقد ضحى عرفات وهو يؤمن بالسلام ، وما زال الرئيس عباس يحمل راية السلام ويدعو لها ويدافع عنها حتى لو انفض عنه المتخلون عن القضية ، وحتى لو اغلقت اسرائيل الأبواب وحالت دون مروره.
عباس كان جريئا ليقول لـ ترامب: "يخرب بيتك" ولم يكن ينتظر منه أن يفرش له باب البيت بعد أن أزاح ملف القدس عن الطاولة وأعطاها لاسرائيل..".
"الرئيس عباس يعزل الادارة الاميركية، ليس لأنه "عبيط" لا يفهمها ولا يقدر قوتها وبطشها ونفوذها وتحالفاتها في العالم وداخل البيت العربي نفسه، ولكنه يعزلها لأنها أصابت حقوق شعبه الوطنية في مقتل وراحت تعطي الاحتلال شرعية وتساعده على تأبيد ارهابه وتشجيع ممارساته..أبو مازن قطع الحوار السياسي مع الادارة وله خطوط أخرى مع الولايات المتحدة ممن استأنس فيها مراعاة المصالح المشتركة بشكل واضح".
إذن هذه فترة عصيبة فيها ادارة اميركية متغطرسة ويمينية واسرائيلية أكثر من الاسرائيليين ومتعصبة أكثر من قادتهم وهو في نظرته وتأكيده يكرر ما كان الرئيس الراحل عرفات يؤكده، حين احتج على زيارة المبعوث الأميركي للسلام آنذاك "دينس روس" قائلا: اريد بدلة بيرس فهو افضل منه وهذه مفارقة غريبة أثارت فيّ السؤال له ليقول: "بيرس نتفاهم معه افضل من دينس روس" .. فقد كان معظم المبعوثين الاميركيين يأتون إليه بمواقف وأفكار وآراء جاهزة لا يناقشون في معظم الاحيان وانما يأتون لإملائها او فرضها أو تبليغها كما المبعوث "كيشنر" وغيره ممن رفض مواقفهم أو رفض استقبالهم أو اعترض على آرائهم وخاصة من طالب منهم بقطع الرواتب والمساعدات والمخصصات لأسر الشهداء والأسرى والجرحى وهي الرغبة الاسرائيلية التي عهد للولايات المتحدة بانفاذها عبر مندوبيها ومبعوثيها.. وقد تحولت الان الى ورقة ضغط على الرئيس عباس لا تسقطها إلا إرادة شعبه!!".
"يعترف ابو مازن أنه برفضه الموقف الامريكي قد صعد الى الشجرة لكنه مدرك سلفا لأنه تدرب للنزول عنها مهما كلف الثمن.. وهو لا يخفي سوء المنقلب الذي انقلب اليه مواقف البعض العربي ممن تورط في الاتجار بالممنوعات الفلسطينية وابرزها محاولة العبث بالقرار الفلسطيني من خلال فرض قيادة فلسطينية على الشعب الفلسطيني جرى تجنيد جهات وانظمة للقيام بهذه المهمة التي واجهها ابو مازن بإرادة شعبه وبمواقف شعبه الرافضة والتي يسمع صوتها الان في فلسطين".
"أبو مازن ليس جيفارا ليخيف النظام العربي وهو لا يريد توريطه في صراعات أو حروب، وهو ليس نظاما اسلاميا متعصبا لينقل لها الاسلاموفوبيا، كما أنه ليس نظاما ميليشياويا ليبتزهه أو يهدد بخطف مقتنياته..!! وإنما هو نظام سياسي معتدل، له حشوة مناضلة هي ارادة شعبه وله ارادة أن يقول "لا" ويتكلم لغة عربية واضحة بلهجة فلسطينية واضحة غير متأثرة "بالرطانة" الاسرائيلية ولا حتى الهندية أو السيريلانكية!!
الرئيس عباس هنا لا يخلط بين المواقف. "ويقول ان المملكة السعودية تحترم ثوابت شعبه وموقفه رغم محاولات الدس الاسرائيلية للنيل من القواسم المشتركة مع المملكة العربية السعودية ومحاولة استعدائها على القيادة الفلسطينية وعلى القضية الفلسطينية وبشكل مستمر".
"وحين تتهم جهات فلسطينية الرئيس عباس بأنه يدافع عن أمن الاحتلال بالتنسيق الأمني وسواه .. فإن ذلك يجانب الصواب وهو اقرب الى قراءة ولا تقربوا الصلاة.. وما يقوم به الرئيس هو الدفاع عن أمن الشعب الفلسطيني في الدرجة الأولى وحفظ مصالحه وديمومة نضاله وتقريبه من الانجاز الكامل لدولته.
والذين يرون اوسلو ونتائجها مؤامرة يطالبون باسقاطها ويقولون كلام حق عن الاحتلال يريدون به باطلا لضرب القيادة الفلسطينية نسألهم لماذا تشتمون أوسلو وتريدون رواتب لاتباعكم من نتاجه.. ولماذا تشتمون اوسلو كما تدعون وتتقدمون بطلبات التوظيف له..أليس هذا من قبيل المثل الشعبي "قاعد في حضني وبتنتف في دقني"!!
واذا كانت حماس تمنع العمليات ضد الاحتلال من قطاع غزة إلّا ما تريد منه تحريك موقف سياسي أو لفت انتباه حين يُعتم عليها.. وتعاقب كل من يخرج عن أوامرها فلماذا تسكت عن ذلك بل تعمل من أجل ذلك ليصبح حال الضفة كحال غزة من التدمير والحصار.. وقد ينفون ذلك لكن الايام الماضية استطاعت السلطة فيها أن تفشل (12) تفجيرا في منطقة جنين وغيرها وان تقطع الطريق على ما تخطط له حماس من اعطاء المبرر لنتنياهو وحكومته اليمينية لتدمير الضفة الغربية واقتلاع التمثيل الشرعي الفلسطيني توافقا مع الرغبة الاسرائيلية والاميركية.
"الرئيس عباس يواجه الان مقدمات صفقة العصر والضغوط الكبيرة التي ترافق اعلانها أو انفاذها وهو صامد بقوة وارادة شعبه واذا كانت الصفقة تُقدم للاخرين على شكل صفقات أو اتفاقيات ثنائية فيها مقايضة على بقائهم. أو على شكل طلاسم يهرب الكثيرون من قراءتها وشرحها لشعوبهم. فإن الرئيس عباس يرفضها سلفا منذ قرأ عنوانها المتمثل في اعطاء القدس عاصمة لاسرائيل لأنه يدرك أن "المكتوب يقرأ من عنوانه" وان درهم وقاية خير من قنطار علاج، فلم يعد الفلسطينيون الان يواصلون وضع اصابعهم في جحر المفاوضات التي تفضي الى لدغ الثعبان ولم يعودوا يرغبون بمواصلة اللعبة السمجة في التفاوض البائس الذي تحول الى علاقات عامة وفي احسن الاحوال الى التقاط صور توزعها اسرائيل في اوروبا لتخفف الضغط الدولي عن نفسها كدولة محتلة بدأ العالم في مقاطعتها!!".
"صفقة العصر هي صفعة العصر كما سماها ابو مازن والذين يقولون عكس ذلك عليهم أن يأتوا ببرهانهم ودليلهم بعد أن لاحقوا العيار الاميركي الى باب داره في البيت الابيض، ان اللهاث خلف السراب لا يجدي وهناك أكثر من ميدان لخدمة القضية الفلسطينية عبر العالم ومعه والانتصار لها سياسيا ودبلوماسيا وانسانيا الى أن تكتمل ولادة الدولة ويشرعنها العالم كله ويرى فيها بديلا لشرور الاحتلال وغطرسته.
"لا أعرف إن كان ابو مازن في معاركه لاسقاط مخططات العدو وكشف البضاعة الفاسدة التي يريدون بيعها له.. محظوظا أو داهية يدرك الأمر قبل وقوع الفاس في الرأس فإن كان من النخب الأول أو حتى الثاني فهو قد اسقط ما سمي بالمخطط الاقليمي عشية قمة البحر الميت الـ (28) وبمساعدة اردنية أثنى عليها الملك عبد الله الثاني". "واليوم فإن الرئيس عباس كما سمعته يراهن على القمة القادمة في منتصف نيسان/ابريل من هذا العام لأمرين.. أولهما أنها تعقد في المملكة العربية السعودية وهي دولة عربية مقررة ومهمة في النظام العربي وثانيا لأنها تستطيع أن تساعده في تأكيد الموقف السياسي العربي التقليدي من الثوابت الفلسطينية المتمثلة في الحقوق الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية. وهذا التأكيد وتضمينه في موقف سياسي واضح في القمة القادمة في السعودية يشكل رافعة لموقف ابو مازن ولجملته السياسية التي يسعى بها في العالم ويمكن العالم من اعرابها ليكتشف هذا العالم بشاعة الاحتلال وخطورته على الامن والسلام الدوليين وعلى الشعب الفلسطيني الذي يعاني ابشع وأطول احتلال..
في اعتقادي أن الرئيس محمود عباس يراهن على القمة العربية السعودية ويريدها محطة مكاشفة واعادة انتاج لمواقف عربية لا يجوز أن تذوب أو تتفتت أمام الضغوط الاميركية والاسرائيلية. فالمطالب الاسرائيلية التي رفضها الرئيس عباس ويستطيع أن يرفضها وآخرها قطع المساعدات الاميركية عن شعبه حتى تقطع رواتب اسر الشهداء والمعتقلين والاسرى والجرحى.. هذه المواقف ليست قدرا لا يرد وانما مخططات مدمرة لا بد من ردها وحتى اسقاطها.
يرى الرئيس في قمة السعودية ذلك وهي في اعتقاده تستطيع التأكيد على الموقف العربي السعودي الذي لم يتغير ولن يتغير كما يرى الرئيس ابو مازن..
فالقمة العربية القادمة هي محطة وهي استراحة له ليضع عن ظهره الاحمال ويشهد عليها قومه استجابوا أم لم يستجيبوا آمنوا أم كان ايمانهم ضعيفا!!
ويرى الرئيس عباس أن الاردن ضحى وما زال وان عليه ضغوطا قوية .. وانه صمد لها وما زال يصمد وانه يجد له اعذارا في جوانب عديدة وان المؤامرة تستهدف حشر الأردنيين والفلسطينيين في الزاوية واسقاط خياراتهم المشتركة وان ذلك لا يكون بالهروب الى الأمام وانما بالتصدي وقبول التحدي والتنسيق المشترك وتفويت المحاولات الاسرائيلية للتفريق بين الجانبين أو المس بمصالحهم المشتركة.
نعم، الأرجل الفلسطينية والأردنية في الفلقة والاسرائيليون يريدون ان يقع سقف الصفقة على رؤوسهم ويرون أن الحل يكون على حسابهم ولذا من الحكمة أن يعملا معا وينسقا معا ويقبلا التحديات معا وأن لا يذهب كل طرف الى خيار بعيد عن الآخر باسم النجاة أو باسم “انج سعد فقد هلك سعيد ” وهو الشعار الذي يريد الاحتلال أن يقيد به الطرفين.
حين تعاون الطرفان في الكرامة معا وسجلا نصرا ما زال معلقا على جباههم ولحظة كرامة يلجأون لها في مساحات العتمة لتنير الطريق.. فقد اسقطا شعار الجيش الاسرائيلي "قف وفكر" واليوم تبدل الشعار وأخذ شكل صفقة سياسية قد تكون ابشع من الحرب وأكثر كلفة منها!!".
"يمضي الرئيس ابو مازن بالثمانين من عمره المديد وهو في سبيل استمرار مسيرة شعبه لا يرتاح ولا يقول كما قال زهير بن أبي سلمى:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبالك يسأم
وانما يقول إنه سيمضي طالما التف شعبه حوله وطالما ظل يتمتع بالشرعية التي يمسك بها ويدعو لها ويعمل على تجديدها وهو أمام كل الغضب والألم الذي ينتابه من موقف حماس التي لم تتعلم من لدغ اطراف في الاقليم للاصبع الفلسطينية حين كانت تمتد اليها.. رغم ذلك يدعوها لردم الانقسام بشروط القرار الفلسطيني المستقل وان تكون السيادة للشرعية وان تبسط حكومة الوفاق صلاحياتها كاملة على غزة كما الضفة وان تقوم انتخابات دعا حماس لها لتجديد الوحدة التي هي كفيلة بالخروج من آثار الانقسام ومعالجتها ولأخذ الشعب الفلسطيني الى اهدافه.
الرئيس واضح في مواقفه وهو يحمل خريطة طريق للخروج من المأزق الذي وضعت حماس نفسها فيه ويرى أن لا طرفين في الانقسام وانما طرف خارج على السلطة والشرعية وقد حمل السلاح في وجهها وعليه ان يضعه وان استمرار رفع السلاح على اسنة الرماح كما فعلت الخوارج من قبل لا يجدي كما لا يجدي التذرع بقميص عثمان في استمرار الانشقاق والذهاب الى دول الاقليم طلبا ليس للثأر من الاحتلال وانما لطلب السلطة على شعب ما زال تحت الاحتلال لم تدرك حماس خصائص نضاله التحرري.
اين البوصلة واين الوطنية يا حماس ؟ واذا كنتم تلومون الرئيس عباس من قبل لعدم دفعه للتحديات كما تعتقدون .. فهل تستطيعون لومه الان أمام كل هذه المواقف التي اتخذها ويتخذها والتي ترون كيف يلتف حوله شعبه في حين تخذلونه بمواقفكم ومزايداتكم عليه، واستقوائكم بدول وجهات جرب شعبنا خذلانها له ومزايداتها عليه.
لا تكونوا سوطا لاستمرار جلد شعبنا المحاصر ولا تكونوا اداة تضييق على القرار الفلسطيني ولا تحملوا شعبنا من المعاناة فوق معاناته من الاحتلال.. وعلى بعض قياداتكم الراشدة وضع حد لسياسة اولئك الذين أدمنوا مصالحهم من حماس في الانقسام واعتقدوا أن نفوذهم يأتيهم من الخارج ومن موالاة الاخرين على حساب شعبهم.
ابو مازن قوي الآن بارادة شعبه وبصبره وصلابة مواقفه المقروءة في العالم وهو لم يفرط ولن يفرط وهو في الثمانينات من العمر وقد زهد في الحياة الّا في مصالح شعبه وفي كتابة سطور تاريخ حياته الذي يريده كما كان دائما مشرفا تذكره له الاجيال وتعتز به.."
عن "عروبة الإخباري"