قانون فورس الجائر
نبض الحياة .. عمر حلمي الغول

سياسات إدارة ترامب الأميركية ترسم من حيث تشاء وتريد ملامح معسكرين عالميين مغايرين ومختلفين عن قطبي الصراع والحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية 1945، حيث تدفع قوى حليفة لها دفعا إلى المعسكر النقيض لها من خلال استعدائها، وفرض الخوة والبلطجة عليها، كما الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والعديد من الدول. وتعمل بشكل أهوج وغير مسؤول إلى عزل الولايات المتحدة طوعا عن أولئك الحلفاء، ولم تبقِ حليفا لها سوى إسرائيل الاستعمارية وبعض الأتباع من دول الإقليم. وفي السياق وضعت الشعب الفلسطيني في دائرة الدول والشعوب المتناقضة مع الولايات المتحدة، وإن كان موقع الفلسطينيين مختلفا نسبيا عن الأقطاب والدول والكتل الدولية الأخرى، لجهة أن الشعب الفلسطيني مازال يرزح تحت نير الاستعمار الإسرائيلي، ويسعى لاستكمال عملية التحرر الوطني. غير أن ذلك لا ينتقص من الدور والمكانة الفلسطينية في المعادلة الدولية، التي تعيش حالة إعادة تركيب وصياغة.
ومن خاصيات المسألة الفلسطينية في السياسة الأميركية الداخلية وجود وحدة حال داخل مؤسسات صنع القرار الأميركية التشريعية والتنفيذية والبحثية واللوبيات لجهة استعداء الشعب الفلسطيني، والتكالب مع إسرائيل الاستعمارية على تهميش وتقزيم وانتهاك الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية، مع أن تلك القوى والنخب لا تتفق مع بعضها البعض تجاه المسائل المختلفة الداخلية والخارجية، ولها مواقف متناقضة ومتباينة بما في ذلك مواقفها من ترامب وإدارته.
وفي نطاق توجهاتها المعلنة بالدفاع والتماهي مع دولة التطهير العرقي الإسرائيلية، رسخت الإدارة الأميركية عداءها للقيادة والشعب الفلسطيني، وانتهجت سياسة معدة ومبرمجة لسحق الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية، فبدءا من غض النظر عن الاستيطان الاستعماري، وحتى دعمه، كما اعلن عن ذلك سفير أميركا المستعمر فريدمان، أن من حق المستعمرين "البناء في أراضيهم"، إلى اعتباره "الاستيطان نهجا وفعل إيمان، وأسلوب حياة للمستعمرين"، بكلمات أخرى التكامل في السياسات مع المشروع الاستعماري الإسرائيلي في بناء "دولة إسرائيل الكاملة"؛ إلى ملاحقة القيادة والشعب الفلسطيني في المنابر والدوائر الأممية، ورفض الإقرار بمرتكزات عملية السلام ومرجعياته منذ ربع قرن مضى، وترك الباب مفتوحا على مصراعيه لتصول وتجول إسرائيل الخارجة على القانون لتنفيذ مآربها ومخططاتها الاستعمارية؛ إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل؛ إلى تقليص دعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين كمقدمة لتصفيتها؛ إلى ملاحقة رواتب الأسرى وذوي الشهداء الفلسطينيين عبر إقرار قانون "تيلور فورس" يوم الجمعة الماضي من قبل الرئيس دونالد ترامب بعد تمريره في مجلسي النواب والكونغرس.
وينسب القانون إلى الجندي الأميركي تيلور فورس، الذي قتل في آذار/ مارس 2016 في عملية تفجير في يافا، واقترحه السيناتور الجمهوري، لينزي غراهام من ساوث كارولينا، التي يقطن فيها والدا القتيل الأميركي. وهذا القانون يستهدف لي ذراع القيادة الفلسطينية عبر تقليص المساعدات الأميركية، حيث يمنع القانون وزارة الخارجية من تقديم الدعم لموازنة السلطة الوطنية طالما تدفع رواتب لذوي الشهداء والأسرى الفلسطينيين؛ وهو ايضا يعطي الضوء الأخضر لحكومة الائتلاف اليميني المتطرفة بقيادة الفاسد نتنياهو لممارسة البلطجة على أموال المقاصة الفلسطينية، وبذات القدر تعتبر المصادقة على القانون بمثابة إشهار سيف العداء للحقوق والمصالح الوطنية برمتها، وهو ما يعني قطع الصلة كليا مع قيادة منظمة التحرير والشعب الفلسطيني، والتخلي كليا عن لعب أي دور في رعاية عملية السلام، لأن إدارة ترامب وضعت نفسها في موقع إسرائيل الاستعماري دون أي تمييز في معاداة المصالح الوطنية.
لكن إقرار القانون الجديد لن يثني الرئيس أبو مازن والقيادة السياسية والحكومة عن تحمل مسؤولياتهم تجاه أبناء الشعب الفلسطيني من أسرى وشهداء، وسيواصلون دورهم المسؤول تجاه كل فلسطيني يتعرض لجرائم وانتهاكات دولة الاستعمار الإسرائيلية، لا بل سيزيدهم إصرارا على القيام بدورهم التحرري حتى تحقيق الأهداف الوطنية في الحرية والاستقلال وتقرير المصير والعودة.
ولعل هذا العداء الأميركي السافر يفتح الأفق واسعا أمام قيادة منظمة التحرير لتعميق تحالفاتها الأممية مع الأقطاب والقوى المتضررة من سياسات إدارة ترامب غير المسؤولة والعنصرية.
[email protected]