عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 آب 2015

ممارسة

حافظ البرغوثي

احدى الكاتبات استهلت مقالة لها في صحيفة عربية التي تنشر لها بقولها "قال لي محارب فلسطيني مارست معه الجهاد مرة في نفق سري" والعبارة توحي بغير المعنى خاصة بوجود نفق سري وانتشار جهاد النكاح او نكاح الجهاد، فخانها التعبير لأن الممارسة متداولة في الرياضة او الجنس حسب اللسان الدارج حاليا واستخدامها خارج ذلك يعتبر شاذا كأن تقول مارست اعمال البر والتقوى او تقول عاقرت الشاي لأن المتداول حاليا يفهم منه معاقرة الخمر. فاللسان العربي الدارج حاليا يحصر بعض الكلمات في معنى محدد مع انه يمكن استخدام ممارسة بالاشارة الى المهن او العمل بكذا. ولعل اللغة العربية هي الاكثر اتساعا في المعاني ووفرة في الكلمات بحيث ان كل معنى له عدة كلمات ، فالحب له عدة اسماء حسب درجته من الغرام الى العشق الى الهوى الى الوله، والموت له عدة اسماء اما الحياة فواحد. وحاليا نستخدم ربما خمسة بالمئة من اللغة العربية ولهذا صار لدينا فقر في اللغة المستخدمة لأننا اهملنا اغلبية الكلمات ونحتاج الى القاموس لتفسير بيت شعر جاهلي او من العصرين الأموي والعباسي حيث كان الناس مفوهين ويتقنون اللغة العربية التي تعرضت في نهاية العصر العباسي الى الانحطاط وفي العصور اللاحقة هجرها الناس لأن الدولة العربية سقطت بالكامل وصارت هناك دويلات وامارات ونمت اللهجات الدارجة مع انتشار الامية خاصة ابان الحكم التركي الظلامي القمعي وحلت التركية في الدواوين كلغة رسمية بدل العربية، وقد شاهدت مجلدات المحكمة الشرعية في القدس وقد كتبت بالتركية واحيانا قليلة بالعربية.

 اما الاستعمار المعاصر فحاول فرض لغته خاصة الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتونس والمغرب وحاول الطليان ذلك في ليبيا ولعلنا ما زلنا نلاحظ قلة التحدث بالفصحى في الجزائر رغم جهود جبارة لإعادة بث العربية، ومؤخرا دعا البعض الى استخدام العامية بدلا من العربية في المدارس الابتدائية الجزائرية مع العلم ان سبب تخلفنا في اتقان الفصحى يعود اساسا الى سوء المناهج واساليب التدريس المعقدة للغة في المدارس ،ويزعم البعض ان كثيرا من جهابذة اللغة العربية في العصر العباسي كانوا من العجم والفرس وهذا غير صحيح فعند انتشار الشعوبية عمد بعض الشعوبيين الى نسب علماء وفقهاء الى مدن في فارس ووسط آسيا للتقليل من الأثر العربي وهذا واضح ايضا في الأثر الفارسي في المذهب الشيعي. ولهذا ثمة خلاف حول الأحاديث لأن من قام بجمعها لم يكونوا يتقنون العربية الفصحى.

اللغة هي روح الأمة وإن انحطت الأمة حضاريا انحطت اللغة والشعر ولذلك لا يمكن ان ينتعش الشعر بمعرفة فقيرة لغويا ولهذا ينتعش الشعر الحداثوي الذي يموت بعد ان يجف الحبر الذي كتب به. او ترده الى قائله قبل ان يرتد اليه طرفه.