تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
بقلم: د. حكمت نبيل المصري

في توقيت سياسي بالغ الحساسية، تسلمت لجنة الانتخابات المركزية تعديلا على القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية، يقضي باشتراط التزام المرشحين – أفرادا وقوائم – بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
ورغم الجدل الذي قد يرافق مثل هذا التعديل، إلا أنه في جوهره يعكس محاولة رسمية لإعادة ضبط البوصلة الوطنية، وسد فجوة قانونية وسياسية طال تجاهلها.
أولا: التعديل في سياقه السياسي
هذا التعديل لا يمكن فصله عن حالة التفكك في المرجعيات الوطنية، ولا عن واقع الانقسام الذي حول حتى المجالس المحلية – ذات الطابع الخدمي – إلى ساحات استقطاب وصراع سياسي. فغياب نص قانوني صريح يلزم المرشحين بمرجعية وطنية جامعة فتح الباب أمام مفارقة خطيرة: المشاركة في مؤسسات نابعة من النظام السياسي الفلسطيني، مع التنكر لأسسه ومرجعيته التمثيلية.
من هنا، يأتي التعديل كرسالة سياسية واضحة مفادها أن العمل العام، حتى في مستوياته المحلية، لا يمكن أن يكون خارج الإطار الوطني الجامع، ولا في حالة اشتباك مع الشرعية التي تستمد منها هذه المؤسسات وجودها القانوني.
ثانيا: بين الإقصاء وتنظيم المشهد
قد يقدم التعديل من قبل بعض الأطراف بوصفه أداة إقصاء سياسي، غير أن القراءة القانونية الهادئة تشير إلى العكس. فالتعديل لا يمنع أحدا من الترشح بسبب انتمائه الفكري أو الحزبي، بل يضع سقفا وطنيا جامعا، يلتزم به كل من يختار العمل من داخل مؤسسات الحكم المحلي.
الفرق هنا جوهري بين الإقصاء وبين تنظيم المشهد السياسي. فالدول، حتى في أكثر أنظمتها ديمقراطية، تشترط حدا أدنى من الالتزام الدستوري والمرجعي على من يترشح للمناصب العامة. وفي الحالة الفلسطينية، حيث لا تزال الدولة تحت الاحتلال، تصبح المرجعية الوطنية أكثر حساسية وأشد ارتباطا بمفهوم الصمود والتمثيل السياسي.
ثالثا: تحصين العمل البلدي من التسييس الفج
التجربة الفلسطينية أثبتت أن المجالس المحلية لم تكن دائما بمنأى عن التوظيف السياسي والآيديولوجي، بل تحولت في بعض الحالات إلى منصات صراع، أو أدوات لخلق شرعيات موازية. التعديل الجديد يسعى – نظريا على الأقل – إلى إعادة هذه المجالس إلى دورها الطبيعي: خدمة المجتمع المحلي ضمن الإطار الوطني العام، لا العمل ضده أو الالتفاف عليه.
كما أن توحيد صيغة الالتزام في المادتين (16) و(19) يحقق انسجاما تشريعيا ويغلق الباب أمام الطعون والتأويلات التي كانت تستغل سابقا للالتفاف على روح القانون.
كان يفترض إقرار مثل هذا النص منذ سنوات، وقبل أن تتراكم مظاهر التسيب في المرجعيات والخطاب، وقبل أن يتحول الخلاف السياسي إلى انقسام بنيوي يهدد فكرة التمثيل الوطني ذاتها.
ومع ذلك، فإن التأخر لا يلغي الأهمية، خاصة إذا ما رافق التعديل تطبيق عادل وشفاف، بعيد عن الانتقائية أو التوظيف السياسي الضيق.
خاتمة
إن اشتراط الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ليس قيدا على العمل الديمقراطي، بل هو تأكيد على أن الديمقراطية الفلسطينية – في ظل الاحتلال – لا يمكن أن تكون بلا مرجعية وطنية. فمن يختار العمل من داخل مؤسسات النظام السياسي، عليه أن يلتزم بقواعده ومرتكزاته، لا أن يستخدمها منصة للطعن فيها.
لقد جاء التعديل متأخرا، نعم، لكنه يظل خطوة في الاتجاه الصحيح، إذا ما أحسن تطبيقه، وكان جزءا من رؤية أوسع لإعادة الاعتبار للمشروع الوطني، لا مجرد إجراء قانوني عابر في موسم انتخابي مضطرب.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية