مرح الزعانين توثق وجع غزة بريشتها

نابلس-الحياة الجديدة-عزيزة ظاهر- في خيمة مهترئة على أطراف غزة، لا تقي برد الشتاء، جلست مرح الزعانين، الشابة الغزية النازحة من بيت حانون، تمسك بقطعة فحم متبقية من موقد النار، وتحدق في فراغ القماش أمامها، لم تكن تبحث عن لوحة جميلة بقدر ما كانت تبحث عن نافذة تتنفس منها وسط المجاعة والحصار والخذلان.
من بين النزوح المتكرر، والخسارات المتراكمة، ولدت لوحات مرح شاهدة على حرب لم تترك شيئا إلا وطبعته بالسواد.
ذاكرة لا تمحى
لم يكن النزوح حدثا عابرا في حياة مرح الزعانين، بل قدر تكرر أكثر من مرة، فمع كل تصعيد عسكري، كانت حقيبة صغيرة تجمع ما تيسر من الملابس، وذكريات ثقيلة تحمل في القلب، من بيت حانون شمالا، إلى محطات نزوح متتابعة، وصولا إلى خيمة في غزة، فقدت مرح الإحساس بالاستقرار، لكنها لم تفقد قدرتها على الحلم.
تقول مرح لـ"الحياة الجديدة عبر الهاتف: "النزوح علمني أن المكان ليس جدرانا، بل إحساس بالأمان، وهذا الإحساس حاولت أن أخلقه بالرسم".
تحولت الخيمة التي استقرت فيها مرح إلى ما يشبه معرضا فنيا صغيرا، على جدرانها القماشية علقت لوحات مرسومة بإمكانيات شديدة التواضع، لكنها مشحونة بمشاعر جارفة، هنا وجه طفل فقد أمه، وهناك امرأة تحدق في المجهول، وفي الزاوية لوحة لشهيد ممدد على أرض بلا ملامح.
لم تكن الخيمة مجرد مأوى، بل مساحة مقاومة صامتة، اختارت فيها مرح أن تواجه القهر بالفن، والجوع بالتعبير.
أدوات من رحم المعاناة
في ظل انعدام الأدوات الفنية، ابتكرت مرح طريقتها الخاصة في الرسم، استخدمت بواقي الفحم المتبقية من مواقد النار، والسواد العالق في طناجر الطهي، لتصنع ألوانها. كانت تجمع الفحم بعناية، تطحنه أحيانا، وتخلطه بقطرات ماء أو زيت، لتمنحه قابلية الرسم.
تشرح مرح: "الفحم الذي نطبخ به أصبح وسيلتي لأحكي قصتنا، حتى السواد الذي لطخ أواني الطبخ حولته إلى صوت."
بهذه الأدوات البدائية، رسمت مشاهد الحرب، والقتل، والنزوح، والشهداء، والمجاعة، والحصار، وكأنها توثق الذاكرة الفلسطينية بريشة الألم.
لوحات ناطقة
تحمل لوحات مرح طابعا واقعيا قاسيا، تخلو من الزخرفة، وتفيض بالصدق، وجوه بلا ابتسامات، وعيون متعبة، وأجساد نحيلة تحكي عن المجاعة التي اجتاحت غزة.
في إحدى لوحاتها، طفل يحمل رغيف خبز أكبر من يديه، وفي أخرى امرأة تجلس أمام قدر فارغ.
لا تبحث مرح عن شفقة، بل عن اعتراف بالوجع، لوحاتها ليست ترفا فنيا، بل شهادة حية على مرحلة سوداء من تاريخ القطاع.
الفن وسيلة صمود
بالنسبة لمرح، لم يكن الرسم هواية فقط، بل وسيلة للبقاء، وسط القهر والجوع، منحها الفن قدرة على الاستمرار، وعلى حماية ذاتها من الانكسار.
تقول: "لو لم أرسم، لانفجرت، الرسم أنقذني من الجنون، وأشعرني أن لي دورا، حتى وأنا في خيمة".
تحول الفن إلى فعل صمود يومي، وإلى رسالة تؤكد أن الفلسطيني، حتى في أقسى الظروف، قادر على خلق الجمال من العدم.
حلم يتجاوز الخيمة
رغم قسوة الواقع، لا تزال مرح تحلم، تحلم بأن تدرس الفن أكاديميا، وأن تعرض لوحاتها في معارض حقيقية، داخل فلسطين وخارجها، تحلم أن تصل رسالتها إلى العالم، ليعرف أن خلف أرقام الشهداء والنازحين قصصا ووجوها وأحلاما.
تؤمن مرح أن الفن قادر على اختراق الحصار، وأن لوحاتها قد تكون جسرا بين غزة والعالم.
ففي خيمة صغيرة محاصرة بالفقر والخوف، صنعت مرح الزعانين عالمها الخاص، من بواقي الفحم وسواد الطناجر، ولدت لوحات تحكي حكاية غزة بلا رتوش.
قصة مرح ليست استثناء، بل نموذج لروح فلسطينية لا تنكسر، ترى في الفن خلاصا، وفي التعبير حياة، وبينما تستمر الحرب، تبقى لوحاتها شاهدا على أن الإبداع، حتى في زمن المجاعة، يمكنه أن يكون فعل مقاومة لا يقهر.
مواضيع ذات صلة
مرح الزعانين توثق وجع غزة بريشتها
انخفاض حاد في أسعار الذهب
اندلاع مواجهات مع قوات الاحتلال في تقوع جنوب شرق بيت لحم
شهيد إثر قصف الاحتلال مركبة جنوب لبنان
الاحتلال يعتقل شقيقين من مسافر يطا في الخليل
أبو الغيط: حل الدولتين هو العادل والوحيد للقضية الفلسطينية
قنواتي وجادو يبحثان مع رئيس بلدية بروكسل التعاون المشترك