عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 10 شباط 2018

تكامل أشكال النضال

نبض الحياة.. عمر حلمي الغول

شابت الضبابية والالتباس رؤية وقراءة قيادات وفصائل العمل الوطني، والنخب السياسية العلاقة الجدلية بين أشكال النضال المختلفة. حتى أن بعض الفصائل أكدت في برامجها السياسية، ان شكل النضال "الوحيد" هو الكفاح المسلح. ولم تحاول تلك القوى قراءة العلاقة التبادلية والطردية بين كل أشكال النضال، والتمييز بينها في مراحل النضال المختلفة، وصعود شكل على حساب شكل في لحظة سياسية معينة، دون ان تسقط او تلغي دور ومكانة ذلك الشكل الكفاحي. وهذا ناجم عن قصور في الوعي السياسي، وإسقاط مجاني من حيث تدري أو لا تدري لأشكال نضال ذات أهمية إستراتيجية في الكفاح التحرري لمطلق شعب من شعوب الأرض، وليس للشعب العربي الفلسطيني فقط، وتعميم تشوه معرفي في وعي الشارع الفلسطيني تجاه أشكال النضال الأخرى، وبالمقابل أفسحت المجال أمام أعداء الشعب لاستغلال فقر الحال السياسي والكفاحي ضد الشعب ومشروعه التحرري... إلخ.
من المؤكد حدث تطور في اوساط القوى السياسية خلال العقود الخمسة الماضية. غير ان هذا التحول الإيجابي، ما زال يعاني من تسيد المفاهيم العرجاء، والمتخلفة عندما يتم الحديث عن أشكال وأساليب المقاومة، حيث يتمظهر في الوعي الجمعي الفلسطيني أن المقاومة "لا تكون مقاومة، إلا إذا اقترنت بالكفاح المسلح." وحين تذكر أشكال الكفاح الأخرى، مثل النضال السياسي والدبلوماسي والشعبي السلمي أو الثقافي والأكاديمي التربوي، والفني والإعلامي والصحي والاقتصادي والمالي والرياضي نجد المواطن بشكل عام ينظر لتلك الأشكال بـ"استصغار" و"دونية"، وكأنها ليست ذات شأن، وهو ما يشير إلى تجذر الاعتقاد في اللاوعي الفلسطيني، أن مواجهة دولة الاستعمار الإسرائيلية لا يتم إلا عبر شكل واحد، هو شكل الكفاح المسلح، وهذا خطأ فادح. 
ولا يوجد فلسطيني يمكنه الانتقاص من شكل المقاومة المسلحة، لأنه الشكل الأرقى بين أشكال النضال. ولكن لم يكن النضال المسلح معزولا عن اشكال النضال الأخرى. لأنها جميعا كانت تصب في خدمة أهداف الثورة والشعب. فكان المقاتل يخوض العمليات العسكرية ضد قوات العدو الإسرائيلي، وفي ذات الوقت يتلازم كفاحه مع النضال السياسي والدبلوماسي والثقافي والعلمي والإعلامي .. إلخ. ولولا التكامل مع أشكال النضال الأخرى لما نجح الكفاح السياسي للشعب الفلسطيني. وعلى سبيل المثال لا الحصر نضال المدرسين الفلسطينيين في مشارق ومغارب الأرض العربية وغيرها من دول العالم، كان يشكل إسهاما إيجابيا في دعم كفاح الثورة، لأنه من خلال تبرعهم بنسبة 5% من راتبهم الشهري، بالإضافة للفعاليات السياسية والتربوية والاجتماعية والثقافية الفنية، التي كانوا يقيمونها في بلاد الشتات، كانوا يسهمون في توطيد العلاقة مع الشعوب الشقيقة والصديقة، ويعززون صورة النضال الوطني. وبالتالي ليس من اللائق، ولا المنطقي الانتقاص من هذا الشكل النضالي أو ذاك مهما كان صغيرا. لأنه ايضا ليس مطلوبا من كل الشعب ان يكون في مواقع القتال، وإلا فإن دورة الحياة ستنتفي.
إذا لا يمكن الاعتماد على شكل من اشكال النضال وحده في أي مرحلة من مراحل الكفاح التحرري، مهما كانت مكانة وأهمية هذا الشكل أو ذاك. أضف لذلك وبالتجربة العيانية الفلسطينية لا يمكن اعتماد شكل من أشكال النضال، شكلا رئيسيا طيلة زمن الكفاح التحرري. لأن شروط النضال من مرحلة لأخرى تتغير، ويتغير معها شكل النضال الرئيس وفقا لمتطلبات هذة المرحلة أو تلك.  مع انطلاق شرارة الثورة الفلسطينية المعاصرة في منتصف ستينيات القرن الماضي وحتى اشتعال شرارة الانتفاضة الكبرى 1987/ 1993 كان الكفاح المسلح، هو شكل النضال الرئيسي. ولكن بعد الانتفاضة الأولى احتل شكل الكفاح الشعبي السلمي المكانة الرئيسية. ورغم ذلك لا هذا الشكل أسقط الأشكال الأخرى، ولا ذاك ألغاها، ولا القيادات السياسية أدارت الظهر لها.          
إن التجربة أكدت أن النضال الشعبي السلمي والسياسي والدبلوماسي والثقافي والعلمي .. إلخ لعب دورا مهما وأساسيا في تعرية دولة الاستعمار الإسرائيلية، وحقق نتائج هامة لرفع مكانة النضال الوطني في الميادين والمنابر العربية والإقليمية والدولية، وأعطى زخما نوعيا للنضال التحرري الفلسطيني. وعليه يخطئ أي فلسطيني إن انتقص من مكانة هذا الشكل أو ذاك. كل أشكال النضال واجبة وضرورية لبلوغ الأهداف الوطنية، ولكن يفترض التمييز بين مرحلة وأخرى وشكل النضال الأساس، الذي تتطلبه دفاعا عن الحقوق والمصالح الوطنية العليا، وايضا القراءة الجيدة لطبيعة الاستعمار، الذي نواجهه، والتدقيق في شبكة تحالفاته الدولية وفي الإقليم حتى يكون التقييم لأشكال النضال علميا وناضجا، وليس عاطفيا وسطحيا.
[email protected]
[email protected]