عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 شباط 2018

نبض الحياة-خلفيات هدم المدرسة

عمر حلمي الغول

الاستعمار والعلم نقيضان لا يلتقيان. على مدار تاريخ الاستعمار بكل أشكاله ومسمياته كان يقف حجر عثرة في طريق حصول الشعوب المستَعمرة على العلم، ويعمل بكل الوسائل على تجهيل الشعوب لإبقائها في دوامة التخلف والتبعية، لأنه يدرك أن سلاح العلم يشكل رافعه مهمة لنهوض وتطور الشعوب، ويسهم في إدراكها مخاطر الاستعمار، ويمنح نخبها وقواها الحية القدرة والكفاءة على صياغة برامج التحرر والانعتاق من ربقة الاستعمار، والدفاع عن مصالح وأهداف شعوبها.

ومن تابع سياسات دولة الاستعمار الإسرائيلية منذ وجودها على الأرض الفلسطينية قبل سبعة عقود، وبعد احتلالها لأراضي دولة فلسطين المحتلة في الخامس من حزيران/ يونيو 1967، رأى كيفية الانتهاكات الخطيرة لملاحقة الكتاب والعملية التعليمية بكل مراحلها متبعا اساليب عديدة منها: إغلاق المدارس والمعاهد والمدارس، والاعتقال للمدرسين والأساتذة والطلاب والتلاميذ من مختلف الأعمار، وتغيير المناهج بما يتوافق ورؤيته الاستعمارية، كما في القدس العاصمة الأبدية لفلسطين، والتحريض الدائم على المناهج الفلسطينية حتى اللحظة المعاشة، واللجوء لهدم المدارس المجاورة لمستعمراته المقامة على الأرض الفلسطينية المحتلة، وذلك لحرمان التلاميذ والطلاب من العلم، وللضغط على التجمعات الفلسطينية للخروج "الطوعي" من مناطق سكناهم إن أمكن ذلك، لتأمين  العلم لأبنائهم في مدن وقرى فلسطينية أخرى بذرائع واهية ومخالفة للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية ولحقوق الإنسان، والحؤول دون دخول الكتب، المشاركة في معارض الكتاب الفلسطينية  لحرمان الشعب الفلسطيني من الوصول إليها لأسباب واهية، وحتى في السجون اتخذ سلسلة من القوانين الجائرة في السنوات الأخيرة لمنع وصول الكتب إلى أسرى الحرية، وحرمانهم من متابعة التحصيل العلمي في المدارس والجامعات، وغيرها من الأساليب الاستعمارية المتناقضة مع أبسط حقوق الإنسان.

وإذإ توقفنا أمام ما حصل يوم الأحد الماضي في جبل البابا، لأمكننا الوقوف على جانب من تلك السياسة الاستعمارية الإسرائيلية، حيث قامت جرافات الاحتلال بهدم المدرسة الابتدائية، المكونة من صفين في تجمع أبو نوار البدوي، الذي يبلغ تعداد سكانه 600 مواطن والمجاور لمستعمرة "معاليه أدوميم"، التي بناها الاتحاد الأوروبي للسكان لتأمين تحصيل أطفالهم العلم خير دليل على تلك الانتهاكات.  

وكما هو معروف المدرسة بنيت في اكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي. وتبعد عن مكان سكن التجمع البدوي بعض الكليومترات، ما يؤثر على التلاميذ في فصل الشتاء في طريق الذهاب للمدرسة والعودة لبيوتهم. مع ذلك شكلت المدرسة المتواضعة فرصة لهم لتحصيل العلم، وإنقاذهم من الأمية، التي يريد الاستعمار الإسرائيلي تأبيدها في أوساط الشعب الفلسطيني عموما والتجمعات البدوية والنائية خصوصا.

وللعلم تجمع أبو نوار موجود قبل وجود الاستعمار الإسرائيلي عام 1967. ولكن القيادة الإسرائيلية ممثلة بأذرعها الأمنية كالإدارة المدنية لا تأبه بذلك، لأن هدفها طرد السكان من الجبل المذكور شرقي العاصمة الفلسطينية القدس، لأنها تريد توسيع مستعمرة "معاليه أدوميم" على حساب السكان الفلسطينيين، ولعزل أكبر عدد من السكان الفلسطينيين عن عاصمتهم الأبدية، ليتمكن من تمرير وتوسيع مشروعه الاستعماري على كل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 بهدف بناء "دولة إسرائيل الكاملة" على كل فلسطين التاريخية.

ونفذت الإدارة الاستعمارية (المدنية) جريمة الهدم للمدرسة، رغم وجود قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية بعدم هدمها، ومازال التدوال بشأنها جاريا في المؤسسات الإسرائيلية ذات الصلة. وتذرع الضابط المستعمر، الذي قرر الهدم، انه لم "ينتبه" للأمر؟! وهو عذر أقبح من ذنب.

وفي الوقت الذي تقوم دولة الاستعمار الإسرائيلية بهدم المدارس الفلسطينية، تقوم ببناء الجامعات والكليات والمعاهد لمستعمريها في المستعمرات الإسرائيلية كجامعة "اريئيل"، وغيرها من المستعمرات، وهو ما يشير بشكل جلي إلى عملية التمييز العنصرية تجاه أبناء الشعب العربي الفلسطيني. ويكشف الأهداف الاستعمارية الخبيثة لإسرائيل المارقة والخارجة على القانون.

ما جرى مع مدرسة تجمع أبو نوار لا يجوز أن يمر مرور الكرام، ويفرض على جهات الاختصاص الفلسطينية ملاحقة إسرائيل في المحافل العربية والدولية عموما ومع دول الاتحاد الأوروبي خصوصا، لإعادة بناء المدرسة، وتحميل إسرائيل المسؤولية عن ذلك، وربط المسألة بالعملية السياسية، لأن عملية الهدم، لا تقتصر على الجانب التعليمي، رغم أهميته وأولويته بالنسبة لأبناء الشعب الفلسطيني.

[email protected]