عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 كانون الثاني 2018

نبض الحياة - التاريخ قاطرة السياسة

عمر حلمي الغول

التاريخ علم من أهم العلوم الإنسانية، ويعتبر ثروة لكل شعب من شعوب وأمم الأرض. والتاريخ يؤخذ بما له وعليه. ومن لا تاريخ له، لا حاضر ولا مستقبل له. وعرف العديد من العلماء التاريخ بأنه "قاطرة البشرية والسياسة". ولا يمكن فصل السياسة عن التاريخ، والعكس صحيح. فمطلق قائد في الحكم او المعارضة إذا حكم دون معرفة التاريخ، فإنه سيسقط في تجربة الحكم بعيدا عن المزايا الأخرى.

واهمية التاريخ تكمن في معرفة تجربة شعب من الشعوب، وقراءة مسيرته وتطوره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري والثقافي. واستخلاص الدروس والعبر في الحاضر، ورسم آفاق المستقبل من دراسة تاريخ شعب من الشعوب، وأيضا مقاربة تجارب الشعوب ونهضتها وتطورها.

صحيح ان التاريخ يصنعه الأقوياء، وقد يكون مجحفا احيانا بحق شعب أو حزب أو قائد في زمن معين. ولكن ذلك لا يقلل من أهمية التاريخ، ودوره في ترشيد وتعميق تجربة شعب او الشعوب عموما في ميادين وحقول الحياة المختلفة.

وعندما جال الرئيس محمود عباس امس الاول، في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعاد للخلف للقرن السابع عشر زمن أوليفر كرومويل 1653، مرورا بموقف نابليون بونابرت 1798، وثم مؤتمر بازل الصهيوني الأول 1897، ومؤتمر كامبل نبرمان 1905/1907، واتفاقية سايكس بيكو 1916، ووعد بلفور 1917، ولجنة شو 1929، ولجنة بيل 1937، ثم قرار التقسيم الدولي 181 نوفمبر 1947، وقرار العودة الدولي 194 ديسمبر 1948 وسلسلة القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، لم يكن ذلك من باب الترف السياسي، او إطالة وقت الخطاب الهام الذي القاه في دورة المجلس المركزي 28، ولا لإنه شاء أن يشعر الأعضاء والضيوف انه ملم بالتاريخ لمجرد عرض الموقف، إنما أراد إرسال رسالة للأعضاء قبل الأعداء، ولقيادات الشعب الفلسطيني والأمة العربية والعالم وفي مقدمتهم قادة دولة الاستيطان الاستعماري الإسرائيلية، ان دولة إسرائيل، هي دولة مارقة وخارجة على القانون، ولا تمت بصلة للمسألة اليهودية، ورصيدها الأساسي يتمثل في أنها الدولة الأداة الاستعمارية. لأن الغرب، الذي تكالب من أجل إقامة الدولة الإسرائيلية واستعمال اليهود أداة لتنفيذ مآربهم، لم يكن يوما من الأيام معنيا بحل المسألة اليهودية، انما شاء خلق أداة مأجورة لخدمة أغراضه ومصالحه الحيوية في وسط شعوب ودول العالم العربي بهدف تمزيقها وتفتيتها، ونهب ثرواتها، وإبقائها في دوامة التخلف والتبعية. وفي ذات الوقت التأكيد على ان فلسطين التاريخية، هي أرض الشعب الفلسطيني منذ وجد الإنسان على هذة الأرض، وهم موجودون قبل إبراهيم عليه السلام، وقبل موسى ونشوء الديانات السماوية كلها: اليهودية والمسيحية والإسلامية.

ورغم هذه الحقيقة الناصعة قبلت القيادة الفلسطينية قرارات الشرعية الدولية، وتعاملت بمرونة مع التسوية السياسية، وقدمت التنازل تلو التنازل لبناء جسور عملية السلام. غير ان قادة إسرائيل الاستعمارية ومن خلفها دول الغرب الاستعماري وخاصة الولايات المتحدة رفضت دفع استحقاق التسوية السياسية. وهي تقوم بشكل منهجي على تدمير كل مرتكزات السلام، وسحق مصالح وحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وللأسف أن بعض اهل النظام السياسي العربي لعبوا ويلعبون دورا تخريبيا على هذا الصعيد، لا يكفي انهم عبء على شعوبهم، بل يحاولون العبث بمصير ومصالح الشعب الفلسطيني. ولكن جهلهم بالتاريخ، واستخفافهم بقدرات أشقائهم الفلسطينيين، جعلهم ينسون أنفسهم، ويتجاوزون حدود المسموح لهم، وهو ما لن يسمح به الشعب الفلسطيني نهائيا.

كان درس التاريخ، الذي عرضه الرئيس عباس، هاما جدا، حيث وضع مجددا مداميك وأسس أي عملية سياسية في المستقبل. وهو ما يشكل ضابط وناظم لقيادات المستقبل، كي لا تحيد عن الحد الأدنى المقبول والممكن. ليس هذا فحسب، وانما رفع السقف السياسي الوطني، لا العكس. لذا لا تنسوا درس التاريخ نهائيا إن كنتم معنيين بقيادة الشعب في اي زمن قادم.

[email protected]