فلسفة المساعدات المالية
عمر حلمي الغول
عندما اضطر الاستعمار القديم للتخلي عن سيطرته المباشرة العسكرية والسياسية والاقتصادية على دول وشعوب الأرض الفقيرة في القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، نتيجة ثورات الشعوب المستعمرة، ومع تصاعد وتعاظم نفوذ وقوة حركة التحرر العالمية بفضل انتصارات الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية في نهاية أربعينيات ومطلع خمسينيات القرن العشرين، لم يفقد الغرب الوسيلة للعودة لفرض هيمنته الاستعمارية بشكل وأسلوب آخر على تلك الشعوب. حيث لجأ إلى شكل الاستعمار الجديد، الذي اعتمد سياسة المساعدات الإقتصادية والمالية واللوجستية لحكام تلك الشعوب، التي كانت تفتقد لمقومات الاستقلال السياسي والإقتصادي الكامل. فضلا عن وجود أنظمة ملكية وجمهورية مستبدة وديكتاتورية ارتضت التبعية والارتباط بالأنظمة الغربية، حماية لمواقعها ومصالحها الشخصية على حساب مصالح شعوبها وبلدانها.
وحتى الدول التي سعت قياداتها الوطنية التخلص من براثن التبعية، وكافحت من اجل فرض سيادتها على مقدراتها وثرواتها الوطنية والقومية، لم تسلم من مكائد وتدخل الدول الإمبرالية في شؤونها الداخلية إما بشكل مباشر أو غير مباشر. كي تفرض إرادتها وسيطرتها على تلك الدول والشعوب من خلال أدواتها عبر الانقلابات العسكرية او البيضاء (الناعمة). أضف إلى انها استثمرت جيدا مؤسستي البنك وصندوق النقد الدوليين بواسطة القروض الممنوحة لتك الدول لفرض سياساتها الإقتصادية والأمنية.
كما واستخدمت الرأسمالية الأميركية سطوتها في جمهوريات الموز الأميركية اللاتينية بحكم التجاور الجغرافي لتغيير طابع الأنظمة السياسية، التي تمردت على إرادة الأمبريالية الأميركية. ولم تتوانَ أميركا عن التدخل العسكري المباشر (مثال بنما)، أو غير مباشر من خلال المرتزقة، كما حدث في كوبا ونيكاراغوا، وفي الوطن العربي ودول الإقليم الشرق أوسطي وجنوب شرق آسيا ونماذجها في الخمسينيات إيران مصدق، ومصر عبد الناصر، وفيتنام هوشي منه، ولاحقا العراق وأفغانستان في تسعينيات القرن الماضي وامتدادا لثورات الربيع العربي في الألفية الثالثة الحالية وغيرها من الدول. لأن الرأسمالية لا تستطيع العيش دون نهب ثروات وخيرات شعوب دول العالم الثالث. وإخضاعها لمشيئة سياساتها، وإبقائها في دائرة المحوطة والتبعية الإقتصادية والسياسية وبالضرورة الأمنية لتأمين وحماية مصالحها الإستراتيجية، ومصالح شركاتها وكارتيلاتها.
ولخدمة مشروعها الاستعماري بشكليه القديم والجديد أوجد الغرب الاستعماري دولة إسرائيل الكولونيالية في قلب الوطن العربي على حساب مصالح ونكبة الشعب العربي الفلسطيني في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ولتمزيق دول وشعوب الأمة العربية، ونهب ثرواتها، وإبقائها سوقاً لتصريف سلعها وبضائعها، والحؤول دون تبلور المشروع القومي النهضوي.
وعطفا على ذلك، فإن سياسة المساعدات والقروض المقدمة من الدول الرأسمالية عموما والولايات المتحدة الأميركية خصوصا لم تكن يوما لوجه الله، او لسواد عيون الشعوب الفقيرة، إنما هي مساعدات منهجية ومدروسة لخدمة أهدافها ومصالحها الإستراتيجية. وبالتالي المساعدات المالية والإقتصادية للشعب العربي الفلسطيني من قبل الولايات المتحدة الأميركية، ليست مساعدات مجانية، ولا هي حرصا على مصالح الشعب الفلسطيني. بل هي مساعدات مقرونة بالمقابل، ولها ثمن حماية المصالح الحيوية الأميركية في المنطقة، وعدم تعريضها للخطر، والقبول بالرعاية الأميركية لعملية السلام، وبالتلازم مع ما تقدم الاعتراف بإسرائيل، والتفاوض معها لبلوغ الحل السياسي.
ومع ان القيادة الفلسطينية تدرك أهداف الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل، قبلت بذلك، ولكن من موقعها هي، وليس من موقع الاذعان لمشيئة الرؤية الأميركية الإسرائيلية، وبالاستناد لاستشرافها التطورات الدراماتيكية الجيوبوليتكية في الاقليم، والأخطار التي كانت محدقة بالقضية الوطنية برمتها، ومن منطلق حرصها البقاء على سطح المشهد السياسي، وبالتالي ما قدمته من تنازلات كانت نتاج قراءة وطنية موضوعية، وبالتوافق مع الغالبية الفلسطينية على برنامج المواجهة. ورغم كل ما قدمته القيادة الفلسطينية من تنازلات لصالح بناء ركائز التسوية السياسية وخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967 على مدار ال24 عاما الماضية منذ التوقيع على اتفاقيات اوسلو 1993، لم تلزم أميركا وإداراتها المتعاقبة إسرائيل الاستعمارية باستحقاقات التسوية السياسية، لا بل انها استمرأت سياسة البلطجة واستباحة المصالح الوطنية، والتدمير المنهجي للعملية السلمية، حتى سحقتها برعاية الولايات المتحدة، التي توجها ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وتلا ذلك التلويح بوقف المساعدات المالية للسلطة، والإشارة لعدم دعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، حتى يعود الفلسطينيون إلى المفاوضات. وهو ما يميط اللثام عن الوجه القبيح للإدارة الأميركية برئاسة ترامب، ويكشف عمق عدائها لمصالح وحقوق الفلسطينيين السياسية. الأمر الذي فرض على القيادة الفلسطينية وشخص الرئيس ابو مازن، الرد على تهديد ووعيد ترامب ومندوبته في الأمم المتحدة هيلي: فلسطين ومصالح شعبها لا تباع في مزاد المساعدات الأميركية، ولا تباع لا بالذهب او الفضة. الشعب الفلسطيني يمتلك الجرأة والشجاعة والقدرة على الدفاع عن مصالحه وحقوقه السياسية. ولن يسمح لكائن من كان قطبا دوليا، أو محتلا إسرائيليا، أوشقيقا متواطئا العبث بمصيره ومستقبله السياسي. وسيرغم الجميع على الإذعان لمشيئته وقراره الوطني المستقل. إذا المساعدات ليست مِنة او هدية او تضامن مجاني، بل مساعدات لها مقابل. هل يدرك ترامب السمسار ذلك أم لا؟