عملاء أميركا لا يعدمون وسيلة
يحيى رباح
عملاء أميركا، الموجودون في المنطقة بكثرة على هيئة مستشارين وخبراء ومتخصصين في السياسة الدولية ومدراء مراكز أبحاث، وبعضهم أعلى من ذلك، أصابهم الارتباك نتيجة إعلان ترامب المفاجئ باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، وخاص أن نتيناهو وحكومته وممثليه في الكنيست كانوا في منتهى الجاهزية والسرعة، فحولوا إعلان ترامب إلى قرار من الكنيست بمنع الحديث عن موضوع القدس نهائيا، وحيث إن إعلان ترامب كان مفاجئا حقا، لم تسبقه أي مقدمات، وإلا لكان عملاء أميركا قد حضروا أنفسهم، فإنهم شعروا بالارتباك الحقيقي، ولكنهم مع ذلك راحوا يبحثون عن موضوعات يدلون خلالها برأيهم، فوجدوا مظاهرات إيران، فانحازوا إليها بعمى حقيقي، وأصبحوا مرة أخرى يرددون هرطقات ترامب حول تلك المظاهرات، ولكنهم سرعان ما تلقوا صدمة أعلى عندما أعلن الرئيس أردوغان وقوفه مع القيادة الإيرانية متهماً أميركا وإسرائيل بأنها تقف بالتحريض وراء كل المظاهرات، فأصابتهم خيبة أمل كبيرة فهم أقل مستوى من أردوغان وتركيا في العلاقة مع أميركا، فهو العضو القوي المهم في الحلف الأطلسي، أما هم فلا شيء، وهو الجار الأقرب لأوروبا أما هم لا شيء، ومع ذلك فإن له رؤيا مختلفة، بينما هم لا يستطيعون إلا أن يكونوا تابعين بلا موقف ولا رؤية.
ولكنهم ظلوا يبحثون ويبحثون ليجدوا شيئا يقولونه، حتى واتتهم الفرص، ذلك أن ترامب ظل سادرا في غيه، وغبياً في اختياراته، فهدد السلطة الوطنية الفلسطينية بأنه سيقطع عنها المساعدات، وهي بالمناسبة مساعدات لا تكاد تذكر، وهنا تنفس عملاء أميركا الصعداء، واستعادوا طمأنينتهم المفقودة، وخرج أحدهم على شاشة فضائية عربية مشهورة ليعلن أنه إذا قطعت أميركا المساعدات عن السلطة، فإن المستفيد الأول من ذلك سيكون هو الشعب الفلسطيني!!! الله يا عملاء أميركا، لا تفوتكم فائتة، ولا تضيعون أي فرصة، ولا يوجد فصل غريب إلا ولكم فيها مقال، كيف بالله عليكم سيكون الشعب الفلسطيني هو المستفيد الأكبر؟؟؟ وهل يمكن القول بنفس القياس إن الشعب الفلسطيني هو المستفيد الأكبر من أخذ قدسه منه وتقديمها هدية كاملة لنتنياهو حتى يفلت من تحقيقاته القذرة التي تلاحقه، ويكون قادراً على استعادة تأثيره على اللوبيات اليهودية، لكي تدعم ترامب مما ينتظره في الطريق.
منطق غريب، لكن عملاء أميركا، ليس هناك شيء إلا ولهم فيه قول، وليس هناك فرصة إلا ولهم فيها فائدة، ولذلك فهم يبالغون في الثقة بأنفسهم وهذا يعرضهم إلى الانكشاف الأكبر، عسى أن يحل زمن جديد، وتحين مرحلة جديدة شاملة، تقال فيها الأشياء بمسمياتها الحقيقية، ويقال فيها للأعور إنه أعور في وجهه، ولا يبقى لهؤلاء العملاء من مهنة يقومون بها، وما زلنا في انتظار الأيام التي تحمل الكثير من الانكشافات، والأحداث التي تبلور الكثير من التطورات، فالمسألة أكبر وأخطر وأعمق مما يتوهم العملاء.