عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 كانون الثاني 2018

نبض الحياة-ربيع إيراني جديد

عمر حلمي الغول

تشهد جمهورية إيران الإسلامية منذ أسبوع حراكا شعبيا متصاعدا في العديد من المدن والمحافظات على طول وعرض البلاد، ووفق المصادر الإيرانية سقط حوالي خمسة وعشرين قتيلا حتى إعداد هذه الزاوية، بالإضافة لمئات الجرحى وعمليات الحرق والتدمير والنهب لمؤسسات الدولة خاصة الشرطية والأمنية. وهذه المظاهرات والاحتجاجات الشعبية، لا علاقة لها بالولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ودول الخليج، بمعنى آخر، العامل الأساس في اشتعال الحراك الشعبي، هو العامل الذاتي الداخلي. ويتمثل في عدد من الأسباب، منها: أولا الأزمة الاقتصادية، الناجمة عن انخفاض مستوى الدخل، وتراجع معدل المعيشة، وازدياد نسبة الفقر، وارتفاع نسبة البطالة، وراوحت عند حدود الـ 12% من نسبة العمال المسجلين في سوق العمل؛ ثانيا تصاعد التناقض الإجتماعي بين الأغنياء والفقراء، وتلازم ذلك بالتناقض بين غالبية قطاعات الشعب وولاة الفقيه في الحكم؛ ثالثا تعمق التناقضات القومية بين الفرس وباقي القوميات من عرب وأكراد وبلش وغيرهم؛ رابعا اتساع نطاق التسلط والديكتاتورية من قبل مؤسسات النظام الأمنية على قطاعات الشعب المختلفة، وغياب الديمقراطية... إلخ هذة الأسباب وغيرها ساهمت في انفجار الأوضاع الشعبية. وإن كان هناك تأثير للعامل الموضوعي (الخارجي)، فهو تأثير ثانوي، وليس أساسيا.

لكن القوى المعادية والمتناقضة مع جمهورية ولاية الفقيه استفادت من المناخ الداخلي المهيأ، وبالضرورة صبت الزيت على النيران المتقدة في الداخل الإيراني. لأنها صاحبة مصلحة حقيقية في تمزيق وتفسيخ مركبات النظام كله، وكل من خلفيته الخاصة به. ولو كانت الجبهة الداخلية الإيرانية متماسكة وقوية، لما أمكن لأية قوة النجاح في النفاذ لداخل وتأجيج المشاعر بين الشعب والنظام السياسي.

وردا على محاولات البعض المقاربة بين ما يجري الآن، وما حصل سابقا، فإن المرء يرى، ان الاحتجاجات الحالية تختلف اختلافا كليا عن إحتجاجات 2009، لأن أسباب وأهداف ذلك الحراك مغايرة تماما للأسباب والعوامل المحركة للربيع الإيراني الحالي. ففي 2009 كان الصراع في نطاق الحملة الانتخابية بين الإصلاحيين والمتشددين من ذات النظام السياسي، وبهدف الإصلاح في بنية نظام الملالي نفسه، وليس بهدف تغيير وقلب النظام السياسي. كما ان القوى المحركة للاحتجاجات، ليست ذاتها، ولا الأهداف، هي نفسها. الآن وبغض النظر عن حجم الحراك الشعبي، إن كان موازيا لما كان عليه الحال في الـ 2009 او أقل أو أكثر، فإنه مختلف اختلافا جذريا عن السابق، وهو ما تعكسه شعارات وأهداف الجماهير المنتفضة في وجه النظام، ومن ابرزها تغيير النظام الديني (الطائفي) إلى نظام علماني ديمقراطي، ينأى بنفسه عن الصراعات الدائرة في دول الإقليم، ويتوقف عن خيار تصدير الثورة الإسلاموية (الشيعية). فضلا عن ان بعض القوميات كالأحواز العرب والأكراد ينادون بالانفصال عن إيران، لأنهم يعتبرون النظام الفارسي الإيراني، نظاما استعماريا، وناهبا لثرواتهم، ومعاديا لقومياتهم ومستغلا ومستبيحا لها. ولا يغير من واقع الحال لباس النظام عمامة الدين الطائفية، التي لا تمت بصلة لجوهر النظام السياسي الفارسي، او بتعبير أدق، تمثل العمامة والخطاب الديني الطائفي (الشيعي) ورقة التوت، التي يغطي بها النظام أهدافه القومية، وفي الوقت نفسه، لتضليل العامة من ابناء الشعوب الأخرى بشعارات شعبوية بعيدة عن الواقع في الساحات، التي تمدد بها، وخاصة الساحات العربية.

ربيع إيران 2017 و2018 قد يتطور إلى ثورة شعبية عارمة تطيح برأس ومرتكزات نظام ولاية الفقيه في حال أحسنت قوى الحراك الشعبي تنظيم قواها، واستقطبت كل القوى المتناقضة والمتضررة من النظام اللاهوتي القومي، ووضعت أهدافا محددة بعينها، وواصلت كسر شوكة الأجهزة الأمنية وخاصة البسيج وغيرهم، وأبعدت نفسها عن  أميركا وإسرائيل ودول الخليج العربي، وأكدت استقلاليتها. ولكن إن لم تحسن إدارة معركتها مع النظام فسيكون مصيرها أسوأ من قادة حراك 2009، لأن النظام يدرك جيدا، أن حراكهم يستهدف رأسه وبناءه الفوقي كليا، لذا لن يرحم، وسيضاعف عملية الاستبداد والديكتاتورية في عموم البلاد، وخاصة في المدن والمحافظات التابعة للقوميات غير الفارسية. قادم الأيام سيحمل الرد على شكل ومستوى تطور الربيع الإيراني. لكنه في كل الأحوال لن يكون في مصلحة النظام، حتى لو تمكن ولاة الفقيه من استعادة زمام الأمور في إيران.

[email protected]