عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 كانون الأول 2017

نبض الحياة-رحيل رمز وطني

عمر حلمي الغول

شاءت أميركا ان تلقي بظلال ثقيلة على رحيل القامة الوطنية الكبيرة عبد المحسن القطان، فلم يكد يوارى جثمانه الثرى في الرابع من ديسمبر/ كانون الأول الحالي حتى أعلن دونالد ترامب اعترافه المشؤوم بالقدس عاصمة لإسرائيل الاستعمارية، فتراجعت كل الأخبار والأحداث للخلف، تاركة المشهد لزهرة المدائن والدفاع عنها أمام التغول الأميركي، وانحيازه الأعمى لجانب إسرائيل الاستعمارية.

مع ذلك بعض الرموز الوطنية والقومية والعالمية، ممن زرعوا في التربة الوطنية جذورهم، ورفعوا عاليا اسم أوطانهم، وانحازوا للإنسان كقيمة عالية أمثال الفقيد الراحل أبو هاني لا يسدل الستار على رحيلها بمجرد مواراة أجسادها الثرى، لأن سجلهم ناصع ومدون بأحرف من ذهب في تاريخ شعوبهم. لذا لم يستطع ترامب ولا جريمته النكراء ضد القدس العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية المحتلة التغطية على رحيل الفارس عبد المحسن القطان، الذي ربطته علاقة وثيقة جدا بالقدس عندما انتقل من يافا مسقط رأسه إلى الكلية العربية في القدس، التي كان يديرها المربي والعلم الفلسطيني خليل السكاكيني، وكان القطان في عمر الخامسة عشرة تقريبا عام 1944، لا سيما وانه ولد في نوفمبر 1929.

ثم تتالت فصول النكبة الفلسطينية بعد العام 1948، وتركت بصماتها القوية على الكل الفلسطيني وخاصة اللاجئين إن كان في الوطن أو الشتات، ومنهم عبد المحسن وعائلته، التي رحلت للأردن، وكان آنذاك في بيروت يدرس بالجامعة الأمريكية العلوم السياسية، ثم حول بعد النكبة لإدارة الأعمال، بعد ذلك انتقل للتدريس في الكويت، ثم انتقل للإقامة في لندن. وكان وهو في الكويت اسس شركة "الهاني للإنشاءات والتجارة"، التي أمست إحدى اهم شركات المقاولات في الكويت. لكن انغماس المناضل عبد المحسن بالعمل لتأمين لقمة العيش لشخصه وأسرته، لم تمنعه من مواصلة النضال الوطني والقومي، فانتمى لحزب البعث، والأهم كان من الرواد الأوائل المؤسسين لمنظمة التحرير، وشارك مع الرئيس الأول للمنظمة، الراحل الوطني أحمد الشقيري في زيارة الصين الشعبية عام 1964، وفي عام 1969 انتخب رئيسا للمجلس الوطني، الذي سرعان ما ترك منصبه نتيجة الخلاف مع ممثلي بعض الفصائل، لكنه بقي حتى العام 1990 عضوا في المجلس الوطني، الذي تركه لأسباب تتعلق بالحرب العراقية على الكويت، كون ابو هاني يحمل الجنسية الكويتية، والأهم لرؤيته وفهمه للحرب وتداعياتها.

في نهاية التسعينيات من القرن الماضي عاد للوطن الفلسطيني، وزار مسقط رأسه في يافا. وكان القطان أسس مؤسسة ثقافية تربوية في لندن، أعطاها اسم عائلته، أنشأ لها فروعا في رام الله وغزة، وتركز اهتمامها على بناء الإنسان، وصقل معرفته وثقافته. كما ساهم في رعاية وتأسيس العديد من المؤسسات المعرفية والبحثية السياسية والأكاديمية. ولم يبخل يوما في الدفاع عن الوطن الفلسطيني، وأعطى دون تردد لكل مركز او مؤسسة او جامعة ارتأى أنها تشكل منبرا واعدا في بناء الإنسان الفلسطيني او العربي، لأن بوصلته ومرشده في الحياة مقولة "من زرع حصد"، لذا كان معنيا بالزراعة وإنتاج إنسان من طراز جديد.

الرجل الذي لم التقه يوما، ولم يحصل لي شرف التعرف عليه، استحق مني الوفاء لسجله المضيء، ورثاءه كما يليق بالرموز الوطنية الشجاعة والمعطاءة، لا سيما وأن أمثال ابو هاني لا يحتاج لأن تعرفه شخصيا حتى تكتب عنه، وتوفيه حقه، وتخلد ذكراه، فالرجل بسجله الناصع خالد في سجل الشعب الوطني. وسيبقى نبراسا وهاديا لكل وطني وقومي بما قدم وأسهم على مدار سني حياته الـ 88.

[email protected]