تغريدة الصباح-من يملك تركة المبدع؟
محمد علي طه
اشترت قبل عامين جامعة تكساس في الولايات المتّحدة الأميركيّة تركة الكاتب الرّوائيّ الكولومبيّ العالميّ جابرئيل جارسيا ماركيز (جائزة نوبل للآداب 1982) من عائلته بمبلغ 2.2 مليون دولار أميركيّ وتشمل مسودّات رواياته العديدة مثل "مائة عام من العزلة" و"خريف البطريرك" و"ذكريات عن غانياتي الحزينات" و"ايرنديرا البريئة" ومسودّات قصصه القصيرة وسيرته الذّاتيّة التي عنونها ب "أن تعيش لتحكي" ومسودّة كتابه الأخير الذي لم ينجزه قبل وفاته وقد سماه "نلتقي في أغسطس" وأوراقه الكثيرة وجوازات سفره وصورًا عديدة. ولا شكّ بأنّ الكثيرين من قرّاء ماركيز، العدوّ اللدود للإمبريالية، تساءلوا وبحقّ، لو كان الكاتب الكبير مازال حيًّا يرزق هل كان يوافق أن تودع تركته في أرشيف جامعة أميركيّة أيّ في عقر بيت الامبرياليّة التي حاربها بلا هوادة؟
إنّ تصرّف عائلة ماركيز يطرح سؤالًا كبيرًا وهو: هل تركة ماركيز (أو أيّ مبدع في العالم) هي ملك لعائلته وحدها أم أنّ الدّولة شريكة فيها وهي الأحقّ بالاحتفاظ بها في إحدى جامعاتها؟
وذكرت وسائل الإعلام في هذا الأسبوع أنّ أرشيف جامعة تكساس كشف في الفترة الأخيرة عن سبعة وعشين ألف صفحة وصورة تعادل نصف هذا الإرث الماركيزيّ الغنيّ يستطيع أن يستفيد منها من يشاء من الباحثين والنّقّاد والقرّاء وعشّاق أدب ماركيز.
قال ماركيز في إحدى مقابلاته الصّحفيّة الكثيرة أنّه كتب روايته "مائة عام من العزلة" في خلال سنة ونصف السّنة لم يخرج فيها من بيته، فيما يذكر بعض الباحثين في أدبه أنّه نشر فصولًا منها في الصّحف والمجلّات ليعرف ردود فعل القارئ العاديّ ونقّاد الأدب وفئة المثقّفين، ويؤكّدون أنّ ماركيز أجرى تعديلات على هذه الفصول قبل نشر الرّواية توافق ردود فعل قرّائه. ومن الطّريف أنّ ناقدًا كولومبيًّا نشر مقالًا في جريدة محافظة بعد صدور الرّواية مباشرة وصفها بأنّها "دعاية يساريّة مكتوبة بأسلوب رديء". وقد زعم ماركيز في أكثر من لقاء معه أنّ النّقد لا يقلقه وبخاصّة النّقد السّلبيّ.
لا أدري كيف تعاملت الدّول العربيّة ووزارات الثّقافة والجامعات فيها مع تركات المبدعين العرب الكبار أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وطه حسين والعقّاد ونجيب محفوظ ويوسف ادريس وأمل دنقل وصلاح عبد الصّبور وصلاح جاهين والجواهريّ والسّيّاب والبياتيّ ونازك الملائكة ونزار قبّاني؟ وما مصير تركات مبدعينا الفلسطينيّين مثل خليل السّكاكينيّ ومعين بسيسو وفدوى طوقان وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق زيّاد وسميح القاسم وآخرين؟
ولا يسعني في هذا الصّباح إلّا ان أثني على مؤسّسة محمود درويش التي حافظت على تركة شاعرنا العظيم في هذا الأثر الحضاريّ في مدينة رام لله – الضّريح والمتحف وحديقة البروة والقاعة التي تحوّلت إلى مزار لعشّاق شعر درويش والثّقافة الفلسطينيّة.