عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 25 آب 2015

النفايات والخطابات البليغة

عدلي صادق

عندما زكَّمت رائحة الزبالة، أنوف الناس في لبنان، تمكنت حاسة الشم، من توحيد اللبنانيين، ولم يكن ثمة وسيلة للإجهاز على الرائحة الرديئة، سوى تآلف القلوب والحناجر والهتافات. ولكي لا يُساء فهم مقاصد الحنجرة الكبيرة التي اندمجت فيها عشرات ألوف الحناجر؛ صيغت الشعارات التي أسمعها المواطنون للساسة؛ بلغة واضحة في إدانتها للطائفية وزعماء حالاتها العنيدة. واحد من هذه الشعارات يتناول الرموز الراهنين بالاسم: "عُون، جعجع، نصر الله، بري، جنبلاط، فرنجية، الحريري.. حِلّوا عنا"!

كأنما جرى تقسيم الرائحة، في الشعار، على زعماء الطوائف، لأن نفايات السياسة هي التي أنتجت نفايات المطابخ والمنازل بالأكوام. فلا شيء في البلاد، رُفع من مكانه الى مستقرِه. فلا إقعاد لرئيس على كرسي الرئاسة، ولا تفويض دستورياً ناجزاً للحكومة المُعلقة اجتماعاتها على نصاب الـ 24 وزيراً، ولا برلمان ينعقد ويحرز نصاباً. ومن بين الثغرات الحاصلة بين هذه الأقانيم، تسربت ميكروبات الإدارة، وانفلتت العصبيات الطائفية تعبث في داخلها، فتأذى السلك الدبلوماسي بالضخ وبالتعيينات الخاصة والاستثنائية، وتخبطت الوجهة الوظيفية، فيما الزعماء المعطرون، وكلهم يستتبع مخاطبوه اسمه بلقب بيك أو باشا، لا يتزحزحون عن عنادهم.

قالت الجماهير لزعماء 8 و14 آذار: "انتم نفايتنا.. ارحلوا".

هكذا فعل التجويف السياسي في لبنان. وهو تجويف وقع كمحصلة طبيعية لاستحالة المواءمة بين الديمقراطية والنعرات العشائرية والمناطقية والطائفية المغلقة. ومن المفارقة، أن رائحة الزبالة، أخرجت الناس من قماقم الطائفية التي تكرسها الخطابات السياسية التي يدبجها الزعماء بلغة فصيحة. وبحكم تجربة اللبنانيين الذين يطمحون الى وطن واحد لجميع أبنائه، يعطي فرصاً متكافئة لكل إنسان حسب كفاءته وسلوكه؛ أصبحوا على قناعة بلا جدوى طرح القضايا الخلافية التي لن تجد لها حلاً، طالما ظل المنطق السائد، هو منطق الطوائف المتجاورة لا المنفتحة على بعضها، ومنطق استحواذ الزعامات على رعايا طوائفهم. وعندما وصلت رائحة الزبالة الى كل الشرانق والحواضن الطائفية، خرج الناس الى الشارع، بعد أن اقنعتهم تلك الرائحة أنهم جميعاً خاسرون من جراء نفايات السياسة ونفايات المطابخ والمنازل!

صحيح ان المحاصصة الطائفية كانت أساس بناء النظام السياسي في لبنان، لكن الصحيح أيضاً، أن الرواد اللبنانيين الأوائل، من كل الطوائف كانوا، من منطلق وعي وطني معقول، يريدون وطناً متجانساً، ونظاماً يتطور ليواكب العصر ويعمق قيم الديمقراطية والمواطنة، ويحرر الإدارة والوظيفة من المعايير الطائفية والمناطقية. لكن أمراء الطوائف الجدد، طوروا النزعات ورفعوا منسوب التباغض، ولم يطوروا النظام السياسي ولم يحققوا وئاماً. لذا لم يبق للبنانيين سوى التعلق ببلدهم، أو دولتهم المعنية بالخدمات وبتكريس العدالة بين الناس. أما الزعماء الراهنون، فبدل أن يعملوا من أجل أسس وقواعد ومعايير تكريس العدالة والمواطنة المتساوية؛ انفلتوا الى مراكمة عناصر قوى محلية طائفية، تساعدهم على الاستحواذ على نفوذ يستطيعون من خلاله رشوة أتباعهم. إن هذا هو ما يقوله المواطنون اللبنانيون المتزايدون، من فئات عمرية صغيرة، أدركوا أن مصلحتهم تكمن في نظام سياسي عصري وديموقراطي، لا في زوايا وأقبية الطائفية التي برع زعماؤها في الخطابة البليغة!