واقع دولي يمهد لعملية سلام أكثر عدلا
باسم برهوم
تلقى رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو صفعة موجعة من اوروبا، هي بالأساس موجهة للرئيس الأميركي ترامب. الغريب أن نتنياهو العارف بدهاليز السياسة الدولية هو وحركته الصهيونية قد وقع في هذا المطب. اوروبا كانت حازمة وصارمة عندما ابلغت رئيس الوزراء الاسرائيلي انها ترفض قرار ترامب بشأن القدس، وان لا بديل لحل الدولتين وان تكون القدس عاصمة للدولتين.
نحن امام أوروبا جديدة بدأت باخراج نفسها من تحت العباءة الأميركية، وتحديدا عباءة ترامب المثقوبة وغير المتزنة، والتي ترغب في رؤية الاتحاد الاوروبي وقد تفكك.
اوروبا هذه لم تخف منذ البداية عدم رغبتها بأن ترى ترامب سيدا للبيت الابيض كما سارعت بعد فوزه للاعراب عن مخاوفها منه ومن نواياه المعلنة وغير المعلنة بخصوص الاتحاد الاوروبي، خصوصا عندما سارع لتشجيع بريطانيا على الخروج من الاتحاد، واقناع دول شرق اوروبا بالأمر ذاته.
كما رأت اوروبا في رفض ترامب لاتفاقية باريس للمناخ، التي وقعتها ادارة الرئيس اوباما مع الغالبية الساحقة من دول العالم عام 2016، رأت هذا الرفض وتهديد ترامب بالانسحاب منها، سياسة خارجية أميركية جديدة لا تأبه للعالم ومصالحه مؤشر آخر ازعج اوروبا، هو موقف ترامب من حلف الاطلسي، ومطالبته الدول الاوروبية دفع ثمن دور الولايات المتحدة الطويل في حفظ الامن الاوروبي.
الولايات المتحدة برئاسة ترامب لم تعد حليفا ذا مصداقية بالنسبة للاتحاد الاوروبي وحسب وانما تحولت احد المخاطر على القارة العجوز الى جانب روسيا والصين والارهاب. لذلك لم يكن مستغربا ان تنأى اوروبا بنفسها عن واشنطن وتتخذ مواقف مستقلة بل مناهضة لمواقف ترامب كما حصل بخصوص الملف النووي الايراني، واليوم بخصوص اعلان ترامب الذي اعترف خلاله بالقدس عاصمة لاسرائيل.
اوروبا ترى في ترامب خطرا عليها وخطرا على العالم وعلى منظومة القانون الدولي والشرعية الدولية التي تمثلها الامم المتحدة، باختصار لاوروبا اليوم سياسة كونية مستقلة عن سياسة أميركا الترامبية.
وهذا التطور ليس تكتيكا انما هو تطور اساسي وجوهري في السياسة الدولية يمكن البناء عليه فلسطينيا وعربيا.
إن الموقف الاوروبي الرافض لاعلان ترامب بشأن القدس يدخل في هذا السياق، وهو ليس بسبب القدس وانتهاك ترامب للقانون الدولي فحسب وانما لانه خطر على اوروبا ووحدتها.
هذا الواقع الدولي الجديد يمنحنا فرصة ثمينة للخلاص من استفراد واشنطن بعملية السلام وان تكون هي الراعي الوحيد لها. اليوم لدينا الاتحاد الاوروبي، روسيا، الصين، والامم المتحدة أن تعود إما للرباعية بمنطق جديد منطق يتساوى به الجميع بالدور والقرار أو نذهب لصيغة الملف النووي الايراني خمسة زائد واحد والمقصود الدول الخمس زائد المانيا أو خمسة زائد اثنين بوجود الجامعة العربية.
هذه الاقتراحات كانت في السابق تبدو غير قابلة للتنفيذ، ولكن الواقع الجديد للعلاقات الدولية يمكن أن يمنحها هذه الفرصة، ومن أجل ان تصل الى هذا الهدف علينا أن تشكل جبهة عالمية تضع حدا للاستفراد الأميركي في عملية السلام وفي القرار الدولي بشكل عام.