خطايا السياسة الأميركية، تعزيز لخطاب جماعات التطرف والإرهاب وتدين الصراع
بقلم: أنور رجب
إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن القدس، ليس هو الخطيئة الأولى التي ترتكبها الولايات المتحدة الأميركية في معالجتها لقضايا المنطقة والعالم، وتحديداً الموقف من الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي، والتي بالإضافة لتأثيرها وأبعادها السياسية، كانت تصب في خدمة خطاب الجماعات المتطرفة وتمنحه المصداقية، وتعزز من الرؤية الدينية التي تتبناها هذه الجماعات في موقفها من القضية الفلسطينية ومجمل قضايا المنطقة، ومن المفارقات أن هذه الجماعات تستخدم القضية الفلسطينية ومكانة القدس لدى المسلمين في خطابها وتوظفها في إستراتيجية التحشيد والتجنيد بهدف قتال وقتل المسلمين، وليس من أجل تحرير فلسطين والقدس أو قتال "اليهود" كما يدعون، وهو ما أثبتته حقائق فعلها منذ أن وجدت وحتى الآن، تماماً كما هي السياسة الأميركية في محاربة الإرهاب، حيث تقود التحالف الدولي ضد الإرهاب، وفي نفس الوقت تقدم لجماعاته ما يعزز من رؤيتها ومصداقية خطابها، وفي مقدمة تلك المواقف الانحياز التام والدائم لإسرائيل على حساب الفلسطينيين وهو موقف ثابت لجميع الرؤساء الأميركيين.
يعلم الرئيس ترامب أن قضية القدس تمتاز بخصوصية وحساسية عالية لدى المسلمين، لما لها من هالة وقدسية دينية في العقيدة الإسلامية، وهو ما يؤكد عليه القرآن الكريم في العديد من نصوصه، وينظر لها الفلسطينيون مسلمين ومسيحيين بوصفها خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، وفي سبيل ذلك يستميتون في الدفاع عنها وعن أماكنها المقدسة المسيحية والإسلامية، والأمثلة كثيرة على ذلك، من ثورة البراق عام 1929 مروراً بهبة النفق عام 1996 وانتفاضة الأقصى عام 2000، وصولاً إلى معركة الأقصى في يوليو 2017، وما بينها من مواجهات لم تنقطع في التصدي لسياسات التهويد ومحاولة تغيير معالم المدينة المقدسة. ولطالما أكد الزعماء العرب والمسلمون في خطاباتهم ولقاءاتهم مع الرئيس ترامب وأركان إدارته على أن إلحاق الهزيمة بالإرهاب وجماعاته يقتضى إيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية على أساس قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وكان آخرها مؤتمر الرياض في مايو/ أيار الماضي، وما جاء بهذا الخصوص في كلمتي الرئيس السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله، ناهيك عن تحذير الرئيس أبو مازن الدائم والمستمر من أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وتعثر عملية السلام بسبب مواقف حكومة نتنياهو المتطرفة هو بمثابة تقديم خدمة مجانية للتطرف والإرهاب.
لم يعبأ الرئيس ترامب بالمواقف العربية والدولية الرافضة لتنفيذ قراره بشأن القدس، وأعلن عن المباشرة بتنفيذه، مستخدماً لغة فيها قدر كبير من العنجهية والفوقية والغطرسة والأكاذيب وقلب الحقائق، ليس هذا وحسب بل كان خطابه يحمل دلالات ومؤشرات دينية تتماهي بشكل أو بآخر مع خطاب الجماعات الإرهابية في تديين الصراع، خاصة حين أشار للقدس بأنها "العاصمة التي أنشأها اليهود في الأزمنة القديمة"، وهذا ليس مفاجئاً، إذ اعتمد منذ ترشحه للرئاسة لغة متطرفة قائمة على إضفاء صبغة دينية على مواقفه السياسية خاصة تجاه الإسلام والمسلمين، وبعد نجاحه في الحصول على موقع الرئيس أحاط نفسه بمجموعة من المستشارين والمسؤولين من ذوي النزعات الدينية المتشددة التي تتبنى الرواية الدينية للمتطرفين اليهود، من بينهم نائبه مايك بينس، والمستشار السابق للأمن القومي آيكل فلين، وصهره جاريد كوشنير، وديفيد فريدمان الذي اختاره ترامب سفيراً لبلاده في إسرائيل، وجميعهم تبنوا مواقف وأدلوا بتصريحات متطرفة تحمل دلالات دينية واضحة. ولعل الرسالة التي وجهها نائب الرئيس الأميركي مايك بينس باسمه وباسم الرئيس ترامب للإسرائيليين لتهنئتهم "بوعد ترامب" حول القدس، حملت بشكل أكثر صراحة لا بل وقاحة حقيقة موقف هذه الإدارة دون اعتماد لغة سياسية، أو عبارات "جبر الخواطر" التي وردت في كلمة ترامب على شاكلة إن هذا الإعلان لا يعني اتخاذ أي موقف بخصوص أي قضية على علاقة بالقدس بما في ذلك حدود السيادة الإسرائيلية فيها، في حين قال بينس من ضمن ما قاله "لتأخذوا كلمتي هذه من القدس العاصمة الأبدية للشعب اليهودي والدولة اليهودية"، وهذا يعني حسم الأمر بشكل نهائي وفق الرواية الإسرائيلية.
إن إعلان الرئيس ترامب حول القدس والذي جوبه برفض وإدانة من المجتمع الدولي كافة، يعطي الانطباع بان ما يجري هو حرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة والمسلمين من الجهة الأخرى، وهو ما يتقاطع مع رؤية الجماعات الإرهابية، والذي عبر عنه تنظيم القاعدة حين أعلن عن ما يسمى "الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والصليبيين"، وهو ما دأبت القيادة الفلسطينية والرئيس أبو مازن على مواجهته وإعلان الرفض المطلق لتحويل الصراع إلى صراع ديني وإبقائه في إطاره السياسي.
المفارقة هنا أن هذا الإعلان جاء في الوقت الذي تتراجع فيه الجماعات الإرهابية وتلاحقها الهزائم في أكثر من موقع، لا سيما بعد سقوط خلافة داعش المزعومة بكل هياكلها وامتداداتها الجغرافية، وهذا يذكرنا بمواقف الرئيس جورج بوش الابن بعد إعلان الحرب على القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر، ووصفه للحرب ضد الإرهاب في حينه بأنها "حرب صليبية"، وبالرغم من اعتبارها زلة لسان، ولكنه عاد وكررها هو وآخرون من مستشاريه ومساعديه، وهو بذلك قدم خدمة كبيرة لخطاب القاعدة في حينه، لا سيما بأن الخلفية الدينية للرئيس بوش وغالبية أركان إدارته عززت من ظاهرة "الاسلاموفوبيا" في الولايات المتحدة والغرب عموماً، كما هو الحال مع الرئيس ترامب وإدارته. في تلك الفترة تمكن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة من إلحاق هزيمة ساحقة بتنظيم القاعدة، وكانت نتائجها كارثية على التيار الجهادي بشكل عام، وصفها أبو مصعب السوري القيادي في تنظيم القاعدة بأنها مجزرة حقيقية للتيار الجهادي وهي الأسوأ في تاريخه، حيث تمت الإطاحة بنظام طالبان، وفقدت القاعدة والجماعات الأخرى ملاذها الآمن في أفغانستان، وخسرت 75% من قاعدتها البشرية من الأفغان العرب في أفغانستان ما بين قتيل وأسير، كما أدت حملات المطاردة والاعتقال في أوروبا وبلدان العالم العربي والإسلامي إلى اعتقال وأسر الآلاف من عناصر الجماعات الإرهابية والمتعاطفين معها.
الرئيس بوش وإدارته، وبدلاً من البناء على هذا النجاح، وتكثيف الجهود الدولية لملاحقة بقايا التنظيم والقضاء عليه، قام وضمن إستراتيجية الضربات الاستباقية بغزو واحتلال العراق بموجب ذرائع وادعاءات مزيفة وكاذبة، والذي كان بمثابة طوق النجاة للجماعات الإرهابية وتنظيم القاعدة، حيث وجدت في العراق فرصة سانحة للملمة بقاياها، وإيجاد ملاذاً آمناً وساحة مركزية جديدة لمواجهة الولايات المتحدة الأميركية، مستفيدة من حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي عمت العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين، ناهيك عن أن احتلال العراق أشعل غضب ملايين العرب والمسلمين، وأعاد إنتاج الخطاب الإعلامي للقاعدة ضد الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها قوة استعمارية تسعى للسيطرة على المنطقة العربية وثرواتها.
ما قام به الرئيس ترامب إلى حد ما يشبه ما قام به جورج بوش الابن، والفرق بين الحالتين أن القدس لها رمزية وقدسية دينية لا يمكن لأي كان اسمه أو موقعه من المسلمين والعرب أن يتجاوزها، وان كانت خطوة بوش الابن حظيت بدعم البعض وصمت البعض الآخر، فان خطوة ترامب لاقت الرفض والإدانة من المجتمع الدولي بغربه وشرقه بمسلميه ومسيحييه، من البابا فرانسيس، ومن الإمام الأكبر لمؤسسة الأزهر، والذي عزز موقفه برفض لقاء مايك بينس نائب الرئيس الأمريكي، فجرد عقد اللقاء سيكون بمثابة منح غطاء إسلامي لخطوة ترامب من أعرق وأكبر مؤسسة إسلامية وأكثرها تأثيراً واعتدالاً. فهل يدرك الرئيس ترامب ما أقدم عليه؟ إن لم يدرك الآن فبالقطع سيدرك لاحقاً، وما يجرى من احتجاجات ومظاهرات ليست سوى إرهاصات لما هو قادم ولو بعد حين. وستبقى القدس بحواريها وشوارعها وأزقتها وأناسها وكنائسها ومساجدها تنطق بأنها عربية إسلامية مسيحية، فجذورها التاريخية والحضارية والدينية شاهدة على ذلك، وهذه الحقيقة لن يغيرها قرار ترامب ولا أركان إدارته، وستبقى القدس العاصمة الأبدية للشعب الفلسطيني.