حريق المسجد الاقصى
عمر حلمي الغول
ستة واربعون عاما على حرق المسجد الاقصى على يد المتصهين، مايكل دينيس روهان، احد اتباع "كنيسة الرب"، التي أسسها القس هيربرت ارمسترونغ، الذي ادعت سلطات الاحتلال الاسرائيلية، انه مختل عقليا. غير ان روهان، اعلن امام المحققين، "انه قام بحرق المسجد الاقصى عن سابق تصميم واصرار، وانه مرسل من الرب لتنفيذ المهمة". ولتأكيد إصراره على جريمته القذرة، قام بعد عام بالضبط، اي في 21/8/1969 بمحاولة ثانية، غير انه فشل، ثم كرر المحاولة الثالثة بعد عشرة ايام ونجح نسبيا.
خلفية المتصهين روهان الدينية، هي، التي دفعته لارتكاب الجريمة. لاسيما ان هناك تيارا مسيحيا يؤمن، بان احتلال إسرائيل للاراضي الفلسطينية، وتدمير المسجد الاقصى، ثم اقامة الهيكل الثالث (هيكل سليمان) المزعوم على انقاضه، وتعاظم قوة إسرائيل يشكل مقدمة لانهيارها لاحقا، بمثابة نبوءة دينية لعودة المسيح المنتظر. وكان اول من كتب عن اهمية احتلال اسرائيل للمسجد الاقصى عام 1967، هو ارمسترونغ، لما ورد آنفا.
الخلط المتعمد بين البعد الديني والسياسي، استفادت منه الحركة الصهيونية، وركيزتها المادية، دولة إسرائيل في تنفيذ مخططها الاستعماري، وغذته آلة الاعلام الغربية، لتعميق عملية التضليل لاتباع الديانة المسيحية، وللتغطية على جريمتها في دعم واسناد دولة التطهير العرقي الاسرائيلية، لتحقيق النبوءة الكولونيالية باقامتها على انقاض نكبة الشعب الفلسطيني، بهدف السيطرة على شعوب الامة العربية وثرواتها، التي اعتبرتها الولايات المتحدة الاميركية، مصالح حيوية لها، لا ولم تسمح للعرب باستخدامها في تطور شعوبهم وبلدانهم.
كما يعلم العالم كله، ان دول الغرب الرأسمالي مع قادة الحركة الصهيونية، إخترعوا فكرة "ارض الميعاد" ثم ابتدعوا الشعار الصهيوني الكاذب، "ارض بلا شعب ، لشعب بلا ارض!" لتحقيق هدف الصهيونية العالمية. كلا الفكرتان، فكرة "ارض الميعاد" مع الفكرة الاستعمارية الكاذبة، شكلت ايضا عامل التضليل الاساس لاخراج اليهود الاوروبيين من بين ظهرانية شعوبهم، وزجهم في فلسطين لاقامة الدولة الاستعمارية الاسرائيلية، كقاعدة متقدمة للغرب الرأسمالي عموما والولايات المتحدة خصوصا.
مشروع الدولة الاسرائيلية، لم يكن محصورا بفلسطين، بل كان مطروحا لتحقيقه اكثر من دولة في ارجاء العالم، منها: اوغندا وجنوب السودان والارجنتين وحتى في بعض دول اوروبا الشرقية. بتعبير ادق، لم يكن الموضوع الديني اساسا في اقامة دولة اسرائيل. ولكن عندما رسى الخيار على فلسطين، تم تركيب المقولات الدينية مع الشعارات الوضعية لبلوغ الهدف المراد.
المطلوب للرد على عملية التضليل الملتبسة لقطاعات واسعة من اتباع الديانة المسيحية، العمل مع ممثلي الكنائس المختلفة لاخراج المسيحيين من متاهة الفكر التضليلي الاستعماري. وايضا حث الاصدقاء انصار السلام في دول الغرب دون استثناء، لتوسيع دائرة نشاطهم بين اولئك المهووسين بالفكرة غير الواقعية، لتأهيل وعيهم، ولانتقالهم لدعم خيار السلام.
غير ان موضوع حرق وتدمير المسجد الاقصى، وتهويد المدينة المقدسة، عاصمة الدولة الفلسطينية، سيبقى هدفا لقادة دولة إسرائيل وقطعان المستعمرين الصهاينة. وسيحاولون مرة تلو الاخرى إستغلال اتباع الديانة المسيحية لتمرير خطتهم الجهنمية. وهذا الموضوع يحتاج الى اعادة نظر جدية من قبل العرب وانصار السلام في العالم من اتباع مختلف الاديان والمعتقدات الوضعية، للتصدي للهجمة الصهيونية الخطيرة، التي خطت خطوات متقدمة في مشروعها الاحلالي والاجلائي التهويدي في القدس، من خلال الدعم الكامل للشعب الفلسطيني، والاندفاع للاستثمار في القدس لاستعادة العقارات والمزارات والمقابر والآثار التاريخية المهددة بالضياع والتدمير، ولانقاذ خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967.
جرائم ومجازر ومحارق اسرائيل الكولونيالية وعمليات تهويدها، لن تلغي حقيقة، ان القدس ستبقى فلسطينية عربية. ولن تفلح دولة التطهير العرقي بتنفيذ مخططها الاستعماري، لان الشعب الفلسطيني، مرابط على ارضه، ولن يفرط بها مهما كان الثمن.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي