كلام أميركي عقيم
عدلي صادق
سُئل المتحدث باسم الخارجية الأميركية، عن موقف بلاده من عمليات هدم البيوت في الضفة واستمرار الاستيطان. أجاب: "نحن منزعجون جداً من التصعيد الأخير في أعمال الهدم والإخلاء، التي تشمل تدمير العشرات من المنشآت". وأضاف شارحاً ومدللاً على أن المشهد الفلسطيني مرصود في واشنطن: " إن عمليات الهدم والإخلاء هذه شردت نحو 150 إنساناً في الضفة والقدس الشرقية هذا الشهر وحده، وهذه ضارة واستفزازية وتشير إلى توجه خطير ولا سيما بخصوص النشاطات المتعلقة بالاستيطان واستمرار البناء الاستيطاني"!
لكن الموقف الأميركي، الذي عبّر عنه جون كيربي، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، جاء مدعاة للاستغراب، إن كان بسبب ضعفه أو بسبب افتقاده للحد الأدنى من المنطق:"نحن نواصل حث جميع الأطراف، الامتناع عن القيام بأعمال سلبية، من شأنها تقويض احتمالات تحقيق السلام، وأيضاً نحن نحث الأطراف على العمل والالتزام بالتوصل الى حل الدولتين"!
في مثل هذا الكلام العقيم، يكون هدم البيوت وتشريد سكانها في القدس والضفة، فعل أطراف وليس فعل طرف واحد، وتكون "الأعمال السلبية" من طرفين لم يسمهما المتحدث باسم الخارجية، وهو يقول إنه يحثهما. فليس من الجانب الفلسطيني أية أعمال سلبية، وإن كان يقصد محاولات الطعن الفردية، التي يقوم بها شبان فلسطينيون فاض غضبهم من عربدة الاحتلال؛ فلا نعرف كيف أدى الطرف الأميركي ما يعتبره واجباً، فبادر الى حث الشبان الفلسطينيين واحداً واحداً على الامتناع عن القيام بأعمال سلبية. أم أن المتحدث الأميركي أنجز الحث الرشيد، للسلطة الوطنية التي ما زالت تحثه على حث نتنياهو وحكومته على الالتزام بمستلزمات موضوعية لاستئناف العملية السلمية.
أية أطراف هذه، التي يدعوها الأميركيون الى "اتخاذ خطوات لنزع فتيل التوتر وإعادة الهدوء"؟! ولماذا أصبح لأيقونة السلام المرتجاة، التي يخشى الأميركيون "تقويضها" اسم آخر هو "احتمالات تحقيق السلام"؟!
هم يعرفون، أن السلام المُتخيل، جرى تقويضه، وأن احتمالات إعادة تخليقه، لا تقوّضها سوى ممارسات الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، المتمسكة بالاحتلال وبالاستيطان، وان الطرف ــ وليس الأطراف ــ الذي يكابد هذا الانسداد، لم يعلن عن حرب، ولم يدعُ الى عنف، ولم يتخل عن التزامه بالتهدئة، فلماذا هذا اللعب بالألفاظ وتجهيل الفاعل والسكوت على تسميم المناخ الإقليمي والاستهتار بكل الأعراف الدولية والقوانين، والاكتفاء بحث الطرفين على نحو ما فاه به الناطق الأميركي؟!
لو أن الطرف الفلسطيني، كمجتمع وشُبان فرادى، تسبب في تشريد 150 مستوطناً مخالفاً للقانون الدولي وللسياسة الأميركية المعلنة حيال الاستيطان، وتسبب في إبعادهم عن البؤر الفلسطينية التي تطفلوا عليها على الأرض، فهل سيكتفي الأميركيون بالحث، أم سيركزون على عنف فلسطيني ينبغي أن يُدان، وستتبع التركيز الإعلامي، مساعدات كبيرة للطرف الاحتلالي؟!
والأنكى، أن من وراء هذا الكلام العقيم، تجري ضغوط أميركية على الجانب الفلسطيني، لكي يعود الى مفاوضات عقيمة، دون أن تلتزم حكومة نتنياهو بشيء. فإما أن يفعل الفلسطينيون ذلك، أو أن يُصار الى إضعاف وجودهم سياسياً، ودفعهم الى فوضى داخلية. إن هذه هي بالضبط، سياسة الانحراف عن الحق وعن العدالة، وهي مبعث الخطورة، وهي ما ينبغي على الأسرة البشرية، جواباً عليها، أن تحث الولايات المتحدة على الإقلاع عنها، بدل الكلام الفارغ العقيم، عن أطراف، وعن فتيل توتر، كأن الجميع هو الذي يشعله!
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي