الذاكرة.. طائر خرافي
حنان باكير
للذاكرة قدرة عجيبة في فرض حضورها، ومثل طائر خرافي، يحملك الى أزمان لم تعشها، وأماكن لم تطأها قدماك. تداهمك مثل قضاء مستعجل، دون اي استعداد للتحليق، ومع ذلك تستسلم لعبثها بمزاجك ومشاعرك.
على شرفتي، جلست وابنتي نحتسي القهوة، ونتأمل حديقتي الملونة. كانت أحاديثنا بعيدة عن الهموم والشجون. مرّ بنا رجل نرويجي، يحمل في رقبته بطاقة تحمل اسمه، واسم المؤسسة التي يعمل بها. وهذا شأن نرويجي عام. قال إنه يبيع اسماكا نرويجية، مفرزة داخل البحر، اسماك من كل الانواع، سيما النادرة منها، والتي لا تتوفر في العديد من البحار. ومثلها النوع النادر من القريدس.. وبما اني نباتية، وأنفر من روائح البحريات، فقد اعتذرت منه، لكن ابنتي استوقفته، وبدأت تكيل له الاسئلة لمعرفة التفاصيل!
تلك التفاصيل.. من عملية الصيد الى طريقة تجليدها في البحر، وطريقة توضيبها الأنيقة، حملتني الى أزقة القدس، يوم هرولت هربا من ضغط حرارة الجو، والأجواء الدينية، الى الأزقة العتيقة، بحثا عن ناسي الذين بقوا هناك. أنعشني رطب هواء الأزقة، واستعدت توازني بسماع لكنتي الفلسطينية.. شاركت ناسي الجلوس على كراس خارج دكاكينهم، نتحدث، نتذكر، ونلهج بحكايا اهلنا.. نتبادل هموم الاغتراب وهموم الاحتلال.
دكان لبيع التذكارات، يعبق برائحة بخور جميل. والرجل المقدسي صاحب الدكان يجلس بكامل اناقته الكلاسيكية. ربما كان قد قارب الثمانين من عمره. "تحركشت" به، وسحبتنا احاديث طويلة. أخبرني يومها، انه كان تاجر اسماك يستوردها من النرويج. وحكى لي، تلك التفاصيل التي سمعتها منذ قليل من تاجر الأسماك على شرفتي.
ورث المقدسي المهنة عن والده وجده! كان ذلك قبل العام 1948. حيث توقف عملهم بسبب زلزال النكبة، لكن تاجر الاسماك النرويجي، آنذاك عاود الاتصال بوالد متحدثي، وتابعوا العمل معا، رغم مضايقة سلطات الاحتلال. بعد نكسة الـ 67، توقف العمل نهائيا، بأمر من المحتل الذي منع التجارة مع الفلسطينيين! واخبرني الرجل المقدسي، انهم كانوا يستوردون، أوراق الهدايا من السويد.
انصرف المقدسي لبيع التذكارات، بعد توقف تجارته. اسعده التحدث مع اصدقائي النرويجيين.. فهو ما زال يذكر اسم التاجر النرويجي، ويحمل الكثير من المعلومات عن منطقته "كريستيانساند"، التي وصل سمكها الى فلسطين.. أحزنني فقداني لبعض اوراقي، التي تحمل اسم التاجرين الفلسطيني والنرويجي.
بعد سنوات، زرت " كريستيانساند"، بهرني منتجعها وحديقة حيواناتها وطبيعتها الساحرة.. لكني كنت متحفزة، لزيارة معرض وسوق اسماكها! كان السوق من الداخل يحمل ديكور كهف كبير، بجدران رائعة الموزاييك والحجارة الملونة.. أحواض اسماك، تعج بأنواع غريبة من الاسماك، والبحريات الاخرى. الزبائن يخرجون بأكياس كبيرة مليئة بأسماك بعضها ما زال حيا يقاوم.. انشغلت ابنتي بالشراء، وانشغلت اراقب البائعين وأتساءل: مَن مِن هؤلاء هم احفاد التاجر، صديق المقدسي وشريكه في التجارة! ليتني لم أضع اسم التاجر، لكنت سألت عن احد من أحفاده! تفرست في وجوههم بحثا عن شيء لا أدريه! لو لم يكن المكان مزدحما بالزبائن، لكنت فتحت نقاشا مع احدهم، يومها عصر الوجع روحي!
عند لحظة الوجع التي استعدت استشعارها، عدت الى شرفتي، كان صوت التاجر وابنتي، وحديث السمك، يهدهد رحلتي من اوسلو الى القدس الى كريستيانساند! قالت لي ابنتي" كيف تكونين عكاوية ولا تأكلين السمك !! لأني احبه في بحره.. أجبتها.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي