عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 تشرين الثاني 2017

قنبلة الحريري والمسألة الفلسطينية... يجبُ الذي يجبُ

أنور رجب

القنبلة التي فجرها رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري بإعلان استقالته، وما تضمنته من مسوغات وأسباب، هي تحمل في طياتها مؤشرات خطيرة تنذر بتطاير شظاياها في أكثر من مكان على المستويين الإقليمي والدولي، لا سيما وأن جوهر الاستقالة تمحور حول الخطر الذي تمثله إيران وأذرعها على استقرار وأمن المنطقة بأسرها، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التعقيدات والمخاوف التي تثيرها منظومة العلاقات المتشعبة لإيران عبر جيوبها المنتشرة في أكثر من بقعة، وسعيها لاستنساخ هذه الجيوب وتعميم نموذجها أينما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. وأول ما يتبادر للذهن من مؤشرات بمجرد سماع خطاب الاستقالة الذي أُذيع من العاصمة السعودية الرياض وعبر أثير قناة العربية، هو أنها تأتي لتزيد من معدل ارتفاع حدة التوتر بين السعودية وإيران وسط إقليم غاية في الاضطراب والتقلب، الثابت الوحيد فيه هو عدم الثبات والتغيرات السريعة والمفاجئة، وليس بعيداً عن تقاطعات دولية ترتبط بشكل أو بآخر مع ملفات المنطقة المتشابكة والمعقدة التي ينفذ كل منها للآخر، وهذا بيت القصيد. ما ذكره الحريري حول التدخل الإيراني في لبنان وعدد من الدول العربية، وما يحمله من دلالات ومؤشرات على مستقبل وتطورات الوضع وسيناريوهاته في المنطقة، مدعاة لان نقف كفلسطينيين أمام ذلك ونعيد حساباتنا فيما يتعلق بطبيعة العلاقة مع إيران وحدود تلك العلاقة، وإلى أين يمكن أن تقودنا؟ وهذا يتطلب الصراحة والوضوح التام، والجرأة في الطرح حتى لو غضب الكثيرون، خاصة وأننا نعيش أجواء من التفاؤل في تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، والمكاشفة والمصارحة بمثابة أركان رئيسية لمصالحة حقيقية قولاً وفعلاً .

لم يعد القادة الإيرانيون سياسيين كانوا أم عسكريين يخفون أو يناورون حول وجود أذرع لهم تساهم في تنفيذ سياساتهم وتحقيق طموحاتهم في المنطقة، وباتوا يتحدثون علانية وبوضوح حول هذا الأمر، ولعل تصريحات الرئيس الإيراني خير شاهد على ذلك حين قال: "لا يمكن في الوقت الحاضر اتخاذ إجراء حاسم في العراق وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا ومنطقة الخليج من دون إيران"، وفلسطينياً لا يخفى على أحد التدخل الإيراني في الشؤون الفلسطينية، والعلاقة التي تربط حركتي حماس والجهاد الإسلامي ومؤخراً الجبهة الشعبية بإيران، وما يتلقونه من دعم سياسي وعسكري ومالي منها، بذريعة دعم المقاومة الفلسطينية، وإذا افترضنا جدلاً حسن النية في الفصائل الفلسطينية فليس بالضرورة افتراضها في إيران، فالسياسة لا تعرف إلا لغة المصالح، وإيران لها مصالحها وأهدافها وأجنداتها، وليس مقبولاً أن يكون لها أدواتها الفلسطينية، تحت أي مبرر كان، فالشعب الفلسطيني وعبر تاريخه لم يعدم الوسيلة في ابتداع وخلق أدواته الكفاحية وإدارة معاركه بكل اقتدار دون الارتهان لأي طرف، وحتى لا يتكرر النموذج اللبناني، ونستمع لخطاب فلسطيني بنكهة لبنانية يجب أن نقف أمام العديد من النقاط والمسائل وإثارتها بكل وضوح وجرأة في الاجتماع القادم للفصائل الفلسطينية المزمع عقده في القاهرة خلال الشهر الجاري.

أولا: أننا يجب أن ننأى بأنفسنا كفلسطينيين عن لعبة المحاور والتجاذبات الإقليمية، على قاعدة أننا لسنا طرفاً فيها ولا مصلحة لنا فيها، وفي ظل ارتفاع وتيرة التوتر بين المحورين السعودي والإيراني وتقاطعاتهما على الصعيدين الإقليمي والدولي، المطلوب وبكل وضوح أن تعيد حركتا حماس والجهاد الإسلامي النظر في علاقتهما مع إيران، لا سيما وان حالة الاستقطاب بين المحورين تشهد منحى تصاعديا حتى باتت قريبة من شعار "إما معنا أو ضدنا"، وكفلسطينيين لا يمكن أن نتنكر لمواقف السعودية الداعمة دون توقف للشعب الفلسطيني كله وليس جزءا منه، ولم تسجل أنها تدخلت في الشأن الفلسطيني إلا إيجاباً، وهذا لا يعني أن المطلوب هو اتخاذ موقف عدائي من إيران، ولكن أيضاً ليس مقبولاً أن نثير غضب الشقيق الأكبر "السعودية"، أما التذرع بدعم إيران للمقاومة المسلحة، فيجب الحديث وبوضوح أيضاً أننا لسنا بحاجة إلى دعم له غاياته وأهدافه غير الفلسطينية، فنحن يجب ألا نكون في جيب أحد، كما وأن موضوع المقاومة من الأصل محط خلاف فلسطيني، ولا يحظى بإجماع الكل الفلسطيني، وهو يشكل مدخلاً للتدخل في شؤوننا الداخلية، من خلال تقوية طرف على طرف آخر وللأسف تجربة الانقلاب ما زالت حاضرة ولا زلنا نكتوي بنارها حتى الآن. ولا يعقل أيضاً انه وفي ظل تصاعد وتيرة التجاذبات نجد وسائل الإعلام الإيرانية تبرز عودة العلاقات بين إيران وحماس إلى سابق عهدها بوتائر سريعة، ويتحدث الجانب الإيراني عن دعم المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية ويعقد المؤتمرات في طهران تحت تلك اليافطة، ناهيك عن الحفاوة التي يلقاها السيد صالح العاروري والوفود المرافقة له في إيران ولدى حزب الله بوصفه نائب رئيس الكتب السياسي لحماس، وينحدر من الضفة الغربية، هل نريد رسائل أكثر وضوحاً من ذلك؟.

وفي هذا على حركة حماس أن تعيد حساباتها جيداً، بعد ما لحق بها من انتكاسات وما جرته من كوارث بحق الشعب الفلسطيني جراء اصطفافاتها الإقليمية، وتدخلها في شؤون دول عربية في تقاطع مع أجندات دول ومحاور أخرى، وللتذكير يمكن مراجعة حديث الرئيس السوري بشار الأسد، وحديث الناطق باسم الجيش الوطني الليبي أحمد المسماري، والتصريحات الصادرة عن رسميين مصريين، ومحاكمة الرئيس الإخواني محمد مرسي بتهمة التخابر مع حماس، وكان الثمن لهذه التدخلات هو استباحة الدم الفلسطيني والإنسان الفلسطيني في ظل الفوضى التي كانت سائدة في أكثر من مكان.

ثانياً: التدخل الخارجي في الشؤون الفلسطينية، والذي يأتي من بوابة الدعم المقترن باسم المقاومة تارة، وحاجات غزة الإنسانية تارة أخرى، وتارة ثالثة عبر عقد المؤتمرات لأطراف بعينها تقف في الاتجاه المعارض للسلطة الوطنية الفلسطينية، ولقطع الطريق على أصحاب الأجندات الخاصة والحزبية، لابد وان يكون الدعم الخارجي المالي والإنساني والإغاثي عبر بوابة السلطة الوطنية الفلسطينية، أو عبر المؤسسات الدولية وبتنسيق مع الحكومة الفلسطينية، أما الدعم الذي يقدم لأحزاب وتنظيمات فهو دعم مشبوه يستخدم في ضرب الاستقرار والسلم الأهلي الفلسطيني، حيث لا يكتفي هذا الدعم المشبوه بكلمة "شكراً..." التي تنقلت بين دولة وأخرى وبين اسم وآخر.

ثالثاً: تحويل شعار سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد، إلى إستراتيجية وطنية فلسطينية، والوقوف بحزم أمام تحويل التنظيمات إلى مراكز قوى ومؤسسات موازية، تكون قادرة فيها على تعطيل كافة مناحي الحياة الفلسطينية إذا ما تعارضت مع مصالحها، والتجربة الفلسطينية على مدار العقد الفائت أظهرت لنا وبشكل جلي الفوارق الكبيرة بين الخطاب المغلف بعبارات وطنية ودينية والتطبيقات العملية على أرض الواقع، وما لحق بنا بفعل تعدد السلطات والقوانين والسلاح من كوارث ومصائب طالت جميع شرائح الشعب الفلسطيني، وعرضت المشروع الوطني لانتكاسات كبيرة.

مرة أخرى إن تحقيق مصالحة ووحدة وطنية حقيقية، تقودنا إلى تحقيق حلمنا وطموحنا بإقامة الدولة الفلسطينية، وتشكل ضمانة حقيقية في مواجهة مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، يتطلب أن نطرق كافة القضايا الخلافية ذات البعد الاستراتيجي بوضوح وحزم وحسم بما يتوافق مع الأجندة الوطنية الفلسطينية فقط، وإلا سنجد أنفسنا بعد وقت ليس ببعيد أمام خطاب فلسطيني بنكهة لبنانية.