علامات على الطريق - وعد بلفور الخطيئة.. الخداع والغموض
يحيى رباح
حتى بعد مئة سنة، ما زال وعد بلفور الذي أصدره ارثر جيمس بلفور وزير الخارجية والمستعمرات في حكومة لويد جورج البريطانية (سلمه الى البارون اليهودي الثري روتشيلد) يثير موجات سوداء حول السلوك العنصري، وعربدة القوة، والفقر الأخلاقي المدقع لبريطانيا التي ما زالت تكابر، لأن الذي لا يملك اعطى من لا يستحق هذا الوعد المشؤوم المخزي الذي انتج المأساة الفلسطينية المستمرة منذ ذلك التاريخ، وتجلى في مفارقات حادة كبدت شعبنا وشعوب المنطقة ثمنا غاليا دون وجه حق، وهو الوعد الذي نتج عنه بعد ثلاثين سنة قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947، ونكبة فلسطين، واحتلال ارضها (التي هي اقدم ارض اشرق عليها تاريخ الانسان) وتشريد شعبها في قارات العالم الست، دون ان يصاب من أعطوا هذا الوعد بصحوة ضمير، بل ظلوا في غيهم سادرين، وفي خطيئتهم مستمرين، يكابرون ويعاندون، مع ان إشارات كثيرة حدثت، قلعتهم من امبراطوريتهم التي لم تكن تغيب عنها الشمس من الصين والهند الى جبل طارق وجزر الفوكلاند، بل الى مصير ابشع من ذلك.
قبل هذا الوعد لم يكن لبريطانيا علاقة بقلسطين ولكن في أجواء الحرب العالمية الأولى التي كان هدفها اقتسام أملاك الرجل المريض (الامبراطورية العثمانية)، وفي العام 1916 سايكس وبيكو عقدا على رأس وفدين بريطاني وفرنسي اتفاقا لتقسيم التركة العثمانية بينهما، مع ان رسائل المعتمد البريطاني مكماهون الى الشريف حسين ووعود بريطانية في تلك الرسائل كانت كثيرة لكن عربدة القوة والخداع والغموض، ظلت هي جوهر السياسة البريطانية حتى الان، بل ان بريطانيا لم تتحمل ادنى مسؤولية، وسعت ان تكون هي الدولة المنتدبة على فلسطين، وانحازت بكل قوة الإمبراطورية البريطانية المنتصرة بعد الحرب لصالح الحركة الصهيونية، والعداء المطلق للشعب الفلسطيني، بل انها تجاوزت حتى نصوص ذلك الوعد الأسود، فالوطن القومي صار دولة إسرائيل، وقرار التقسيم اعتدت عليه إسرائيل ولا تزال تعتدي، ومواقف بريطانيا المعلنة في قرارات مجلس الامن لم تفعل بريطانيا ولو شيئا بسيطا لتنفيذها، فضم القدس الشرقية رفضته بريطانيا في قرار لمجلس الامن لكنها سعت الى تمويت ذلك القرار، والقرار 242 الشهير اختلقه اللورد كاردون بصياغة غامضة، ولكن بريطانيا لم تلتزم حتى بهذه الصياغة الغامضة، والقرار 2334 الصادر عن مجلس الامن ضد الاستيطان لم تفعله بريطانيا عبر الاعتراف بدولة فلسطين، وهكذا بعد مئة سنة لا تزال بريطانيا وفية للوعد المشؤوم، مكابرة على الغش والخداع نفسه، بل انها تحتفي وتحتفل بهذا الوعد كأنه اثمن جوهرة في تاج ملكتها، واللعنة ثم اللعنة على ظلم الظالمين وعربدة المعربدين، والحمد لله ان شعبنا حاضر وجاهز ومؤهل لرفع الظلم وصفع الظلام.