عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 30 تشرين الأول 2017

حيفا التي بداخلي

فارس سباعنة

ليست المرة الأولى في حيفا، لكنها المرة الأولى لحيفا في داخلي، الأمر مختلفٌ تماما بين المرور كأي سائحٍ "يعشقُ جمع الصور"، وبين أن تكونَ أنتَ الصورة في عيون المدينة، أن يتمّ الاعترافُ الجزئيّ بأنّ من حقّك مسرحاً هنا تقفُ عليه وتقرأ، هذا الاعتراف المقتطع من ظروفٍ لانهائية التعقيد يمكنه بإضافة عامل الرغبة أن يتصدّرَ جملة الأفكار، أن يكونَ أولاً وثانياً ويساعدكَ أصحابٌ مدركون لما يحدث فيك لأنْ يكون الاعترافُ ثالثا ورابعاً وأحيانا نهائياً في بعض لحظات الحلم الواقعيّ.

ماذا كنتُ أفعلُ في حيفا خلال أيام كرنفال نواحي النهر للأدب؟ ببساطة كنتُ "أمرّ (بها) إذ أخلو إلى نفَسي كشاعرٍ يتمشّى في (حلم)"، وحيفا التي أنجبت أشياءَ فيّ تراقبُ أحفادها المتخيلين وتبتسم، وتخبّرُ جاراتها في جلسة قهوةٍ صباحيةٍ عن المجانين الذين قرأوا شعراً وقصصا وروايات في المدينة ثلاثة أيام.

في إحدى جلسات الحوار بعد الأمسيات لا أعرفُ إذا فهمني أحدٌ حينَ تكلّمتُ عن قدرة المخيّلة على الإيهام، لم أكن أقصدُ الشعرَ تماماً كنتُ أقصدُ حيفا أيضاً، أقصدُ أننا اجتمعنا في كرنفالٍ في مسابقةٍ شيّقةٍ مع مدينةٍ تتحدانا بالقدرة على الإيهام، فيحدثُ مثلا أن أوّل افتتاحٍ للقراءات يكون للروائيّ هشام نفّاع الذي يأخذنا رحلةً مع نملةٍ في غرفة بطل الرواية ويناقشُ مسألة العورة في الفكر وتطور هذا المفهوم بأسئلته الغريبة التي تستحوذُ على علاقته بهذا الكائن؟ فما علاقةُ هذا بالوطن المغتصب والحلم البعيد والاحتلال، علاقته ملخّصةٌ بسؤالٍ بديهيّ: من يستطيعُ أن يحتلّ عقلاً وفكراً يسائلُ مجتمع البشر من خلال مجتمع النمل؟!

ومن أينَ يدخلُ الاحتلال على أشخاصٍ سابحين في أسئلة الوجود والعدم والرغبة واليأس والجنس والموت الشخصيّ والجماعيّ والكائنات؟

وماذا تفعلُ الرايةُ الإسرائيليةُ على شاطئٍ يمرّ عنه وسيم الكردي وفارس سباعنة يتضاحكونَ من الهاجسِ الإسرائيليّ بتأكيد ما ليسَ مؤكداً، فلماذا يضعون أعلاما على الشاطئ إذا لم يكن في وجدانهم ما ينزعُ الطمأنينة بأن هذه البلاد بلادهم!؟

ثلاثةَ أيامٍ أسبحُ في شكوك العدوّ أزيدها من يقيني، وعلي مواسي يفهم ذلك، وأسماء عزايزة تفهمه ومجد كيال ونواف رضوان و مروان أبو غوش وهزار حسين ومحمد موعد ومايا أبو الحيات وهلال الهندي وشيخة حليوى ومنتصر منصور، جميعهم يفهمون ويحيطونكَ بما يجعلُ اليقينَ يقيناً، وحينَ أنظرُ إلى زياد خداش ساعةَ وصولِه من رام الله وأجده مريضاً أقولُ له: مالك يا رجل؟ لماذا لا تخبرني عن غصن الشجرةِ في مطعم فتوش كيف تمدّ فروعها لتسلّم عليك؟! وحينَ يقرأ وليد الشيخ تحت إضاءة المصباح ذو الغطاء الأخضر كنتُ أرى النسورَ تغادرُ الأرضَ في وجهه حاملةً أفكاراً واضحةَ الرؤية عصية على القيد البشريّ، وكان لنحول هلا الشروف في الشعر والفستان الطويل قدرة الخيط على رتق ما تمزّقه الحكايات من الحكايات، بينما يستطيع مهيب البرغوثي أن يكونَ بقبّعةٍ ولحيةٍ وصوتٍ متهدّج آخرَ الواصلين الشاهدينَ على محرقة العالم، "بضمانات أمريكية يا رفيق" وشكل وردة سامح خضر وقد أصبحت جثة متفحمة ومتحللة في عيون أخيها الذي جعله تلّ الزعتر مقاتلاً بموت مقاتل.

ربّما مرّت قراءات لم أعشها مثل غيرها، وربّما عاشَ أحدٌ مع منتصر منصور ما عشته مع مجد كيّال يفكّر بآخر أغنيةٍ يرحلُ معها عن الدنيا وأسماء عزايزة تحاكمها أسماء سلالتها وعمر زيادة الذي لا يجدُ الدمارَ النهائيّ لحكايات الخراب أملا غير منطوقٍ لحكايات الشعر، لذلك لن أحمّلَ هذا النصّ ما ليس يحتملُ من المجاملات، لكنّني أتقدّم بالشكر الجزيل للصدفة التي جمعت الدار الأهلية ومطعم فتوش ومسرح خشبة في فكرة حيفا عن الحقيقة، أقصدُ الفكرةَ التي أجلستني أمام البحر ساعاتٍ أتوّقعُ أيَ موجةٍ بعيدةٍ تستطيعُ الوصولَ إلى انفجارها على الصخرةِ تحتَ قدميّ، وبالمناسبة لاحظتُ شيئاً غريبا: الموجات تسبحُ في الماء، فموجة الماءِ البعيدة تغطس في الماء وتخرجُ من الماء" وقد أستطيع توظيفَ هذا المعنى في أكثر من فكرةٍ وطنيةٍ لكنّني لا أريد، هي الموجة تخرج من الماء وتغطس في الماء وفقط.