تغريدة الصباح - بلاد الغُرب أوطاني
حنان باكير
منذ سنتين، قام الصديق، مستر فيسبوك، بوصل ما انقطع من علاقة، مع صديقة عكاوية قديمة، صداقة تاريخية، امتدت من الطفولة الى بدايات الشباب، زمالة مدرسة واحدة، وجيرة في حي واحد.. مرورا بالتظاهرات والمهرجانات الفلسطينية، وشغب الصبا. تزوجت صديقتي وسافرت مع عريسها الى بلد عربي للعمل، وسافرت أنا باتجاه آخر، وحدث الانقطاع.
يوم التقينا لأول مرة عبر الأثير، كانت صديقتي ما زالت في البلد العربي، الذي قضت فيه خمسين سنة، انفلتت من عمرينا دون أن ندري. لكنها كانت في حالة "حيص بيص"، ومتوترة، فباحت لي بمكنونات قلبها، وعن قلقها من المستقبل. يومها أخبرتني أن الزوج تقاعد بعد خمسين سنة عمل في أحد المستشفيات. وكان عليهما مغادرة البلد. لكن الى أين؟ فهما من حملة الوثائق اللبنانية، وثيقة ملعونة، لا تجلب لحاملها الا الشؤم والثبور وعظائم الأمور. ولأن الرحيل هو قدر الفلسطيني، كان عليهما إيجاد منفى آخر، يحتضن البقية من سني عمريهما. ولأن الأمر ليس بتلك السهولة، دفع الرجل نصف حصيلة كده وشقاء عمره، لتمديد إقامته الى حين يأتي الفرج..
قبل أيام اتصلت بصديقتي. بدا الارتياح واضحا في نبرات صوتها الهادئ، على العكس تماما من آخر حوار بيننا. قالت إنها حصلت على جواز سفر نمساوي، بعد أن التحقت وزوجها بابنهما المقيم هناك. بعد أقل من سنتين صارت مواطنة كاملة الحقوق. لكن الزوج رحل عن الدنيا، قبل أن ينعم برخاء جواز سفر محترم، وقبل اغتنام سني عمره التقاعدي في استراحة يستحقها.. رحل ودمغة اللجوء موسومة على جلده. واستطاعت صديقتي، أخيرا أن تتنفس الحرية والأمان. فلا قلق من مكدرات الحياة. وصار بإمكانها التحدث، عن مرارة ما بعد التقاعد، في بلاد العرب أوطاني.
يوم غادر الزوج الى البلد الذي أفنى شبابه في خدمته، كان حديث التخرج من الجامعة. وكان المستشفى الذي عمل فيه طيلة نصف قرن متواصل، يضع حجر أساسه الأول. فرافقه منذ ولادته. وشاهده ينمو ويتطور ويكبر، وله اسهاماته الجليلة في ذلك.
بعد تقاعده بفترة قصيرة، تعرض لحادث سير، طلب من الشباب الذين هرعوا لمساعدته، نقله الى المستشفى حيث كان يعمل. رفض المستشفى استقباله، وهو ينزف، ومصاب بمرض السكري.. بقي في قسم الطوارئ، الى أن حضر ابنه، ودفع المال المطلوب!
في النمسا، صار الرجل مواطنا، حصل على العناية الطبية، والخدمات التي يحصل عليها كل مواطن نمساوي "أصلي". لكنه رحل وعلى جلده دمغة " لاجئ"، وها هي زوجته تصبح حاملة لهوية، سوف تفتح أمامها كل المعابر والدروب، وصار بإمكانها أن تحلم برؤية عكاها.
في بلاد الغُرب، استعادت صديقتي كرامتها وانسانيتها، وتذوقت نكهة المواطنة، بما تعنيه من دولة تسهر على راحة أبنائها. لا يخشون المرض، ولا يموتون على أبواب المستشفيات. ولا يقلقهم تعليم أبنائهم...
في بلاد الغُرب، أن تعمل بين ثلاثين وأربعين عاما، يعني أن تملك بيتا كبيرا، وبيتا صيفيا في الجبل أو على شاطئ البحر. والأغلب أن تمتلك قاربا سياحيا، وتقاعدا محترما، يضمن لك البحبوحة المادية، وامتلاك بيت في بلد دافئ، أو قضاء سنتك سواحا بين بلاد الله الواسعة. وإن احتاج الأمر، فهم يرسلون لك امرأة لتنظيف بيتك، أو ممرضة تعتني بك، وتستطيع الاتصال بالإسعاف اذا ما أزعجك وجع طارئ ليلا..
في بلاد الغُرب، تتجنب عوز العائلة والأصدقاء، وجمع "اللمات" لاجراء عملية جراحية طارئة. لا يتمنن الأبناء على الوالدين، ولا يُطلب منهم الا العاطفة والحنان!
أفلا يحق لنا، أن نغير نشيدنا، الى بلاد الغُرب أوطاني!!