عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 تشرين الأول 2017

تغريدة الصباح - ذاكرة الروائح

حنان باكير

في ربيع رحل، وفي أحد المشاتل، استوقفتني شجرة تين صغيرة، في أحد الأصص. حملتها بحنان الى شقتي. ورحت أتابع كيفية العناية بها عبر "جوجل"، الذي صار مرجعنا الأوحد والأسرع. وصار لدي طفلة جديدة، تستحق عنايتي ومحبتي، لا لأن التين فاكهتي المفضلة مع الصبّار، لكنه أعادني الى نكستي يوم افتقدت وجود شجرة التين الكبيرة في حديقة بيتي العكاوي، ذلك البيت الذي لم أسكنه الا أشهرا قليلة، غير كافية لبناء ذاكرة فيه.

في المرة الأولى لعودتي القصيرة والمؤقتة، إلى بيتي في عكا، كانت شجرة التين الضخمة ما زالت تحنو على أرض الحديقة من حرارة شهر حزيران، في الجزء المصادر من أرض حديقة البيت الذي هو مصادر ومحتل. فقد اقتطع جزء من الحديقة وتُرك أرض بور، تظللها وتحرسها شجرة التين.. يومها قطفت ورقة تين، جعلكتها في يدي، لأشتم رائحة تين عكاوي. تذكرت جدتي، وأدركت حينها، كيف يكون للروائح ذاكرتها التي تستوطن الأنوف.

تمر السنون وأعود مرة أخرى، أتفقد وأطمئن على بيتي وحديقتي. الأرض المقتطعة، تمددت وابتلعت الجزء المتبقي من الحديقة، تاركة جزءا صغيرا منها، أمام البيت. تحولت الحديقة الى موقف سيارات، والتراب تحوّل الى "إسفلت" أسود، واختفت شجرة التين، لكن رائحتها عبقت في أنفي.

تذكرت حكايا الروائح، عند الجيل الذي عاش عصر ما قبل النكبة، وكان لا يزال يعيش تفاصيل الوطن، وروائحه. للروائح مكان ومكانة في ذاكرتهم، روائح تعبق في النفوس وفي المكان. يشتمون رائحة الخضار في المنفى، فيقولون: "يا عيني.. وين ريحة خضرة بلادنا.. بتشمها من راس الشارع! ولاّ ريحة التفاح والليمون ريحتهم بتسبقهم". لم أكن أعي، إلا شيئا واحدا: الخضرة خضرة، شو بتفرق يعني! وفهمت الأمر لاحقا، على أنه الحنين والفقد ليس إلا! والان لو قلت لجيل أبنائي، كيف شممت رائحة تين اختفت شجرته، وبقيت رائحته.. ماذا سيظنون بي، وكيف أشرح الأمر لهم! وهل سيأتي يوم يجدون أنفسهم، في موقعي هذا. إنه فرادة العشق الفلسطيني.

وما دمت في مجال ذاكرة الروائح، أتذكر أمي يوم كانت تفتح نوافذ البيت الأرضي الذي سكناه، وتحضر ركوة قهوتها، وتجلس على البلكونة، حين تنتعش الأرض، وترسل عطرها بعد أول مطرة في الخريف. هل ورثت حب رائحة الأرض وعبقها من أمي، أم أنه عشق بالفطرة؟!

تينتي الصغيرة التي تقبع على مدخل البيت، بدأت تورق وتتمدد قليلا. أعدّ أوراقها وبراعمها كل صباح، تشاركني سماع الموسيقى، أشرب القهوة وأسقيها الماء. وسرعان ما أثمرت مجموعة أكواز من التين، نضجن على مراحل. أتسابق صباحا، مع الطيور على الحبات السوداء الناضجة استعدت صور التين، التي ينشرها الأصدقاء على صفحاتهم، تين طازج من أرض الوطن.. كم اشتهيت قطف تين ترشيحا!!

بلغت غلتي لهذا الموسم، سبع حبات، والكثير من الحرقة والغضب، وأعادتني لتساؤلات طفولتي، لماذا صديقاتي في الحي، لديهن الأرض والبساتين وحدائق الأزهار؟؟ وكأني بالحس الطفولي، كنت أدرك أن هذه الحديقة وكل حدائق البيوت التي سكناها، هي لنا بالايجار فقط! قبل أيام قطفت آخر كوز تين.. وما تبقى الان، بضع وريقات صفراء.. وسأنتظر عودة الحياة الى العروق اليابسة في ربيع قادم!

نبتة تين صغيرة، في بلاد الصقيع الشمالي، هيّجت أحزان غربة وفقدا لتراب الأرض الطيبة.. هل من دواء، يخفف عني شبح الذاكرة ووجعها؟!