عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 29 آب 2017

"مطر سري" وجد المتصوف، ونداء الجسد، للشاعر زهير أبو شايب

فاطمة نزال

 "فلتسعدي

ولتهنئي

ولتطيبي خاطرًا

فسوف أفعل بكِ

ما تفعله الأمطار بالرياض "

   ما كنت لأستحضر هذا القول لجلال الدين الرومي لو لم ينهمر هذا المطر على حواسي فينعشها، فما أن يستلقي هذا الديوان بين يديك ، حتى تشعر أنه كائن رقيق شفيف ، تربت على صفحاته تتأمل ما يسكبه فيك من جمال تجهل كنهه، فتنكبّ على تذوق كل قصيدة تذوب كما الشوكولا في فمك وتأخذك إلى مداراتها متلذذا بكل مشهد تخلقه مقاطعها، هذا الديوان الأول الذي أقرأه للشاعر زهير أبو شايب وحقيقة فاجأني هذا الكم من المشاعر المقطرة من روحه فزاوجت بين قداسة الفعل الروحي ولوجا من بوابة جسد أثيري غير ملموس، فكان من صنع المخيلة إبداعا وإبهارا حتى تخلَّق كائنا نكاد نراه ونلمسه ونشم عطره .

هذا الديوان الذي أحسبه استثنائيا في عمق وجدّة وفرادة لغته ، بالمزج بين الفكر والخيال ، والانسجام المطلق بين نداء الروح وتفلت الجسد من ماديته.

ولعل ما يجب التنويه له غنى الإيقاع في القصيدة  الذي يجعلك تتأمل ثراء تجربته الفكرية وعمقها مبتعدا عن الضجيج منسابا كنهر في أوردة القاريء، هل كان مطرا سريا هطل رذاذا كموسيقى كونية أم كان احتراق الفراشات تلذذا باللهب؟

أم حلما متتاليا متواترا متقاطعا مع يقظة ؟

سِفْر تكوين أم تراتيل قدسية من وحي المطلق؟

" أين الفراشة؟

-في النار،

تبحث عن نفسها

لتصير هي النار

- أين الفراشةُ؟

- في حلم الوردة المتبادل بين الفصول

تطير

تطير

تطير

إلى أن يحررها الضوء من نفسها"

  لا تملك وأنت تهرول هاربا من هذا المطر، محتميا به، لائذا إليه، إلا الانصياع لطفولة الأشياء، فأنت تتوقع أن هذا المطر وإن كان سريا سيبلل حواسك كلها فتشم رائحة التراب في المعنى وتتذوق سحر البدايات كما هنا:

"نامي قليلا فيّ

واعشوىشبي

وانْدَيْ

وخلّي كل لُب  طري

وذوّبي الأسمر في الاشقر

تحت قباب الجسد المقمرِ"

وترى الصورة إثر أختها في البوم من الأحلام وتسمع خرير الوديان التي فاضت  على ضفتي الحلم اللامنتهي :

" أنا النهر لست الغريقَ

أنا النهر،

والضفتان، اللتان هنا، ضفتاي

أحكّمها طيلة الليل في شبق

وأفيض على العشب

أصغي إلى منطق الطير

أغري نساءً يُتبلن أجسادهن

ويرمينها للمياه"

هذا الحلم المتلاحق الأنفاس الهارب من وحشة الليل إلى أنس القصيدة المتخلقة  على شفتي شاعر متبتل  :

"ليلي يمر بلا نبيذك

أنت أين؟

أنا طويل الليل

أسهر ألف عام كي أرى حلما.

أضيئي لحظتين لكي أرى

في أي حلم أنتِ"

 ففي خلوة تجانست فيها الحبيبة مع الأنا فيه،وامتزجت أنثاه الكامنة بحلمه وتفلتت متحررة من واقعيته إلى مطلقه ، ومن تماهيه إلى أرضيته يقول :

"وأنا

والبحر

والطائر

والعش

وحتى أنتِ

موجودون في الحلم الذي لم تره عيناك

موجودون في مستقبل نجهل من أي الحكايات سيأتي

فانظري في حلمك الآن هنا حتى تريني

وانظري في حلمي

حتى تريْ نفسكِ أنتِ"

 لا فصل بين ما نتخيله وما نتوق أن نعايشه وما نحياه حقا، وكأن انصهارا كونيا في ذوات الشاعر المتعددة المتأصلة الواحدة المتوحدة في الكل المجزأ المركب ، قد تداخلت لتعطي لنا تصورا حسيا روحيا لكل ما ينشده الإنسان في آخره ولكل ما يتوق إليه فيه فيقول:

"لو نظرتِ إليكِ لأبصرتني.

كل عطركِ أمس تنشقته

وسكرتُ

ألم تسكري أنتِ حين مزجتك بالنار

وشربتك كلك

والليل خارجنا؟؟!!"

مطر سري ملأني شغفا بالصورة وباستحداث لغة أخرى محلقة بعيدة عن التكلف تلقائية ومنسجمة مع كلها :

"مطر مسّني يا سماء

وغيّرني،

وتغير"

إنها الأحلام المشرعة على مطلقها الواهبة أجمل ما فيها لزر الورد المتفتح على آخره منتظرا تكور حبات الندى قُبَل لا تنتهي ووصال أبدي بين أرض وسماء.