عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 27 آب 2017

شيزوفرينيا ثقافية واجتماعية

تغريدة الصباح - حنان باكير

تنتهي مراسيم الرحلة السندبادية، بالنسبة للمهاجرين، وتنتهي معها مخاطر الموت، المتربص على دروب المنافي التي لم تخترهم، ولم تهبهم نفسها.. وما أن توشك الأحلام الوردية على التحقق، حتى تبدأ مآسي اللجوء، ومعاناة الصدمة الحضارية، لدى هؤلاء الهاربين من الموت الجسدي الى شكل آخر من أشكال الضياع لدى الكثيرين منهم.
موضوع الإندماج في المجتمعات الغربية، هي فزاعة للمهاجرين، الذين يفهمونه على أنه التخلي عن الدين والهوية والثقافة. ورغم كل الحوارات والنقاشات، الا أن مفهوم الاندماج بقي، عائما، ودون تحديد لمعناه العملي، سواء بالنسبة للمهاجرين، أم للدول المضيفة. ومن هنا كان تشدد الجيلين الأول والثاني، في تربية وتوجيه الأبناء. فيعمدون الى إعطائهم جرعة عالية "أوفر دوز"، من التعليم الديني، المتشدد أحيانا، ما يخلق ازدواجية، لدى الناشئة، بين ما يتلقون من تربية وإرشاد في البيت، وبين المجتمع الذي ولدوا فيه، ويعايشونه في المدرسة وفي الحياة العملية، ما يعني أن الغرب يحتاج لعدة أجيال قادمة، حتى ينعم في مجتمع شبه متجانس. لكن هذا، لا ينفي وجود طبقة على قلتها، أحسنت الإندماج مع الحفاظ على الهوية الثقافية، وقد وفرت لأولادها تنشئة، بمزيج ثقافي عصريّ وحضاري.
كتب أحد الصحفيين المهاجرين منذ زمن، مقالة باللغة الانجليزية، طالب فيه النرويجيين، بتعديل سلوكياتهم، والاحتشام في لباسهم، مراعاة لمشاعر المهاجرين. تعكس مقولته، أمرين مهمين، أولهما أن فكرة فرض ثقافة المهاجرين، على ثقافة البلد المضيف، هي تقرب من فكرة أيدلوجية دينية، تحدث عنها أحد قادة الإخوان المسلمين، وهي أسلمة اوروبا، وأن الديمقراطية وحرية التعبير، التي اخترعها الغرب، ستكون اللعنة التي سيستعملونها، لأسلمة مجتمعاتهم، والكلام ما زال للقيادي.
والأمر الثاني الذي تعكسه تلك المقولة، التي تعترف بأجندة تغيير المجتمع المضيف، هو عدم التجانس والتشابه، السائد في بلاد اللجوء، الذي يصل حد التناقض، ما بين الانفتاح والانغلاق على مفاهيم قديمة، لم تعد تناسب العصر، وما بين النقاب والشورت. عندما زرت النرويج قبل سنوات طويلة، لم يكن هذا الأمر واضحا، بل كان مجتمعا متشابها ومتناغما، الى حد كبير.
في أحد مراكز اللجوء، الذي عملت فيه متطوعة، جاءني شاب عربي، محتجا وغاضبا ومهددا، بسبب تفريقه عن زوجته ابنة الثالثة عشرة ، وهذا يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون النرويجي. لم تفلح محاولتي لتهدئته، وأكد أن زواجه من الطفلة، أمر مشروع في بلده، ولن يغيّر شيئا من ثقافة بلده.
ولمزيد من تحريض المسلمين في الغرب، ودفعهم الى الاحتماء تحت ظل المؤسسات الدينية، يعمدون الى تلفيق وفبركة افلام الفيديو الغبية والمفضوحة في أغلب الأحيان، لإثارة العاطفة الدينية. وعلى سبيل المثال، فيديو، يصور شرطيا فرنسيا، يحاول نزع نقاب امرأة، في أحد المسابح، بين رجال ونساء بملابس السباحة، دون أن ندري ما تفعله منقبة تجلس وحيدة، في مكان رواده شبه عراة! وكيف على الشرطة معرفة هوية الموجود داخل ذلك النقاب، وكيف حضر فريق التصوير في ذلك المكان.
وفي النرويج لم تهدأ بعد الضجة التي أثارتها امرأتان نرويجيتان. الأولى صاحبة صالون حلاقة، وهي يمينية متطرفة، ولها موقف معاد من النقاب والحجاب. وأخرى نرويجية متزوجة من مسلم ومحجبة. المشادة بينهما، والتعدي على بعضهما، داخل الصالون، تم تصويره وتوثيقه من فريق يضم الشهود والمصورين وبرفقة محام، دون أن ندري كيف صادف وجودهم هناك! ويروى أن المرأة النرويجية، قد خلعت لاحقا الحجاب وعادت الى سيرتها الأولى، لكني لم أتابع القضية، لأنها مثيرة للغثيان بتفاصيلها.
الرهاب الذي أصاب العديد من المهاجرين، دفع الى تشجيع وازدهار موسم أنواع الزيجات، التي لم نسمع بها من قبل. كالمسفار والمسيار والسياحة.. تحاورت مع بعض النسوة، في هذا الموضوع، واحتجت إحداهن وبعصبية، على رفضي لهذا الزواج، وقد ختمت إحداهن الحوار بقولها: ان بعض المؤسسات الدينية، ترعى هذا الموضوع، جزاها الله خيرا، حتى لا نتجه الى الكفار، ".. فالطيبون للطيبات..".
 يتدفق المهاجرون بالملايين الى بلاد ينعتونها بالكفر، ويتهجمون على ثقافتها، لكنهم يغامرون بحياتهم، للاحتماء بقوانينها الإنسانية، وعدالتها الاجتماعية، والأمن والرخاء الذي توفره لهم. ومع ذلك يحلو لهم ترديد "نحنا بس نكبر عليهم بديننا" ! أو "لا ينقصهم الا الشهادتان حتى يدخلوا الجنة"!