عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 22 آب 2017

خمس قراءات في خمس مجموعات شعرية

عمر زيادة *

الكتابة هي التأثير العاجل أو الآجل. عندما تقرأ كتابا أي كتاب وتنتهي منه يظل صداه قويا يتردد داخلك مطالبا إياك بالمزيد ، بفعل أي شيء إضافي غير القراءة المحضة. عليك أن تتفاعل على مستوى مواز مع هواجسه التي باتت تسكنك حرفيا. هذا ما أحسست به تجاه عدد غير قليل ومهم من الكتب. وكتبت بدافع ذلك قراءات كثيرة. وتحت هذا العنوان تندرج الكثير من المجموعات التي قرأتها مؤخرا والتي أود الإشارة لها هنا بوصفها مؤثرة ومختلفة وتستحق مساحة هائلة من الضوء والإشادة حقا. مع ملاحظة أني لا أطرح هذه القراءة كشهادة نقدية .. إنما كانطباع خاص وشخصي قد يتفق معه أو لا يتفق معه القراء.

 "كشتبان" / زكريا محمد.

هي مجموعة شعرية صدرت في عام 2014 عن دار الناشر في رام الله. كان صدور هذه المجموعة برأيي علامة فارقة في الكتابة على المستوى الفلسطيني ولا أبالغ إن قلت العربي كذلك. ولا أتكلم هنا عن المقاييس التقليدية في محاكمة النص وقراءته. بل عن عوامل كثيرة لا نجدها حاضرة في إصدارات حديثة. هناك كاريزما جذابة في نصوص هذا الكتاب. فطريقة مزج ولن أقول تركيب الكلمات تبين لنا مدى جهد واشتغال الكاتب على نصه وأدواته. لقد أخذتني اللغة هنا إلى منطقة مهمة تجمع كائنات وأجواء شعرية عتيقة بانعكاساتها الحداثية المطلقة دون استسهال أو ثقل أو مبالغة. إنه شعر خالص صرف متحلل من التقاليد والأشكال باحث عن مساحته الخاصة.

إن نقطة ارتكاز وتميز هذه المجموعة هي التضارب والتضاد المستمر بين الأفكار والصور .. ولا تنتهي إلى نتيجة واضحة أو ربما لا تنتهي أبدا.

يقول الشاعر في إحدى قصائده التي اختار لها أن تكون بلا عنوان:

في طريقي كسرت رغيفا وأكلت

الخبز علامة سيئة. فهو رمز الموت.

وفي الطريق أيضا كسرت غصنا صغيرا من شجرة.

الغصن فأل جيد، كما فهمت. لكن الغراب الأشأم

صرخ غاضبا فوق الشجرة.

ثم قضمت تفاحة. التفاح سيء السمعة. فقد هوى آدم من الجنة لأنه قضم تفاحة.

لكن السمعة الحسنة مشكلة الأحياء لا الأموات. وأنا ذاهب إلى الموت.

وفي طريق الموت أقضم وأكسر، وأزيد ذنوبي.

طريق الموت هي طريق الذنوب. ولا أمل لمن يسير فيها وسواء كسر رغيفه

أو كسر قدمه فسوف يثقل ميزان ذنوبه.

وحتى لو قعد في ظل نخلة وعلك تمرتها الحلوة فسوف يكتب له ذلك ذنبا.

الموت ذنب كبير. ذنب لا يغتفر.

 "٤٠٠ فيل أزرق"/ فخري رطروط.

هي مجموعة شعرية صادرة في القاهرة عن دار الأدهم للنشر والتوزيع عام 2015. وفخري هو شاعر فلسطيني يعيش في نيكاراغوا. يمكنك أن تشم في نصوصه الريح الكاريبية ممزوجة بمزيج حاد من الدم والخمر والعرق. لو كان لي أن أرافق شاعرا في الجحيم لاخترت هذا الشاعر. يسخر من العدم والألم واليقينيات والثوابت والتقاليد الحياتية والشعرية كلها بسلاسة لا مثيل لها.

٤٠٠ فيل أزرق هو إحالة ذكية على قصيدة لشاعر نيكاراغوي مهم "روبن داريو" وهي قصيدة مليئة بالأجواء الغرائبية الأسطورية بما يشكل مرآة حقيقية لنصوص فخري في هذه المجموعة.

هنا تجد نفسك أمام انثيال لانهائي للصور المشظاة والمشاهد التي تأتي من كل مكان متخيل وواقعي؛ من الكوابيس، الشعراء الموتى، الحروب، السوريالية، العلم، الدين الرغبات، الخوف، السخرية ...الخ. وتلفتك قدرته على المرور من الفنتازي إلى الواقعي دون أن تحس بخلل أو فجاجة.

من المجموعة نقرأ:

القِفْلُ يَكيدُ لِلْبابِ

المَفاصِلُ حَائِرَةٌ

لَيلُ المدينةِ يُهاجمُ القفلَ

القفلُ يَتَوَسَّلُ.

دائمًا لا يَجِدُ القفلُ الصَّدِىءُ مُفتاحَهُ مُباشرَةً

عَليهِ أن يُجَرِّبَ كُلَّ مَفاتيحِ السِّلسِلَةِ

وغالبًا ما يكونُ المِفْتَاحُ المَطلوبُ هُو الأَخيرُ.

"دليل على بهتان العالم"/ أحمد عبد الحسين.

هذه مجموعة شعرية صادرة عن دار المتوسط للنشر والتوزيع في إيطاليا عام 2016. للشاعر العراقي أحمد عبد الحسين. وبعكس كل الذين أكتب عنهم هنا لا معرفة شخصية لدي به ولم يسبق لي أن قرأت له أي مجموعة أو كتاب سابق. بل كان حصولي على هذه المجموعة بمحض الصدفة بعد أن اشتريت مجموعة كبيرة من الكتب من جناح دار المتوسط في معرض عمان الدولي للكتاب.. وكانت مفاجأة عظيمة حقا.

الكتابة عن هذا الشاعر محفوفة بالأذى واللذة في آن واحد، فهو شاعر غامض متشابك كغابة، مزدحم بحشود دامية وكهنة قساة، ومريدين متطرفين على استعداد تام لأن يتبعوه إلى الجنة المرفوضة أو الجحيم المختوم. هو يحطم النسق التقليدي للحكاية، ويعيد تركيبها بأشكال مفخخة بالرموز الشعرية لكنها ليست كذلك تماما، إنها لا تبحث عن حلول، إنها تفسد متى ذهبت إليها بآلة المنطق، يكفيك منها الدهشة والدهشة فحسب. إنه شاعر كادح يجترح كلماته من الصخر والهواء الثقيل السام والمذابح اليومية والحروب التي تسكن تفاصيل الحياة كلها. إنها صرخات احتجاج ضد سبي الإنسان ومحاولات هذا العالم لتدجينه. وهو يرفع صوته ضد كل القتلة في التاريخ الإنساني.

من المجموعة :

“يولدُ الإنسانُ وفي فمه إسمُ قاتله/ ومن يد إلى يدٍ يدارُ به في فجر البيت، حيث القنديلُ الكاذبُ/ في أعلى النّخلة/ يضيء له شمسَه الوشيكةَ/ يرسمُ صرخته والتقاء حاجبيه/ وحيث أياد كثيرةٌ تفتحُ له ممرّ الهواء السّري/ ليعبرَ مختوماً بنقشِ هلال الدّم”.

“أنت تشبهني/ هذا القدر من الحجارة في لسانك قبر أبي/ وأشبهك/ لأنك، مثلي، تترك خيط دمٍ من البيت إلى المسجد/ ومن المسجد إلى البيت/ ومثلي في فمك عبيدٌ يردّون التّحية على المارّة/ السلام عليك، أنا أكرهك/ وعليك السّلام، وأنا أكرهك”.

 "مختبر الموت"/ مهيب البرغوثي.

هذه المجموعة صادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع عام 2015 للشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي. بكل تأكيد لا يمكن الحديث عن أي تجريب شعري دون الإتيان على ذكره. هو شاعر لا يمكنه الكتابة أو التفكير بشكل عادي أبدا. بل هو خارج عن المألوف اللغوي والخيالي. يعمل دائما على نصوصه في ظروف غريبة محاطا بمواد وكائنات خرافية. ولا يمكنك أبدا أن تتوقع النتيجة.

مختبر الموت هو فكرة مهيب عن العالم بكل وحشيته وإمكانية الموت السهل والمتاح للجميع. فالشاعر في هذه المجموعة التي تعبر عن العالم ينفي أي هدف سوى صناعة الموت. إنه يقدم بورتريه داميا للوجه الحقيقي والنفسي لرجل يعيش في زمن مشتبك وبربري. الأرض، الطبيعة، السماء هي أدوات قتل.. ذلك أن البراءة انتهت والكل يقاتل في سبيل أي شيء مهما كان صغيرا وتافها.

الكتابة فعل ملتحم بالحياة. هكذا تتشكل رويدا رويدا كأجنة ضعيفة تخضع لاختبارات دائمة في مختبر الشاعر الخاص. الخط الفاصل بين الحب والكره، الموت والحياة، النسيان والذاكرة، الحضارة والبربرية .. خط صعب جدا أن يرسمه أي شاعر ببساطة .. تحتاج شاعرا عارفا ومجربا كمهيب.

من مختبر الموت:

السماء ملأى بالأعشاب

أي صديقي

هل الارض ستدوم بالعواء ؟

أم سيسرق البحر أحلامنا ؟

لتبدو السماء ملأى بالأعشاب

صديقي

أين أنت ؟

اني أخاف الاشياء المألوفة

حين يتعالى صوت الموت في الطرقات

صديقي

عن أي مشنقةٍ سقطت

وأي موت أوصلك لهذه الارض الخراب؟

 "الغابة التي قفزت من الصورة"/خليل ناصيف.

مجموعة "الغابة التي قفزت من الصورة" للصديق خليل ناصيف.. الصادرة عن دار موزاييك للنشر والتوزيع، هي ليست مجرد مجموعة شعرية أخرى يحاول من خلالها الشاعر كالكثير من الشعراء التخلص من جثة، أو حمل لغوي زائد ولا بهدف الترف والتباهي .. إنما هي تكريس لقدرته الفائقة على خلق كائنات وأمكنة وأزمنة جديدة، ثم دفعها من هاوية حياته إلى حيواتنا المتناثرة حوله بوحشية ساحرة.

وهذا أمر مبرر ومنطقيّ تماما على الأقل بالنسبة لي. فأنا أعرف خليل ناصيف الذي كان كتابه الأول سرديا .. هو لم يكن شاعرا بالمعنى التقليدي لكلمة شاعر. لقد طارده الشعر بضراوة حتى أوقعه في فخاخه وشراكه الكبيرة.

ونحن محظوظون بذلك حقا. فمملكة الكوابيس التي في رأسه، وهي بالمناسبة كانت العنوان الأول المقترح لهذه المجموعة، لم يكن من الممكن سبر أغوارها بأي طريقة أخرى غير الشعر.

وبصفته ملكا متوجا على عرش هذه المملكة اختار خليل أن يفتح باب العتمة على مصراعيه. وأن يطلق الوحوش من أقفاصها. والموتى من صورهم القديمة. والهنود الحمر من أغانيهم المدمّاة. والنساء الشبقات من أجسادهن. والغابات من جلود الصيادين. والكلمات من أفواه الصخور والجمادات.

خليل يعجبه المهرجون المكتئبون. يجيئون إلى بلاطه الشطرنجيّ مثقلين بحجارة الضحك الميت في صدورهم. يصب في كؤوسهم شرابه السام ويلاعبهم الورق حتى يثملوا، ثم يأخذهم إلى متاهة مراياه ويسجنهم في الخيال.

الشعر في هذه المجموعة يلعب اللعبة الأخطر. بين الحياة والموت يمشي على سلك دقيق أحدّ من الشفرة. ولا يخاف.

وهو الشعر الذي أحب. لا يهادن الأنماط والتقاليد والقوالب. حر كطائر خرافي وقوي كنصل.

من المجموعة نقرأ:

غابة بيضاء

المكان أبيض

الدخان أبيض

يدكِ بيضاء

وهذا الثعلب الاسود

جاء يخدش حيادية الضوء

يكسر تماثيل الجليد

لو قتلتُ الثعلب أين أخبئ جثته ؟

لو خبأتُ جثته كيف أمسح دمه عن وجه البحيرة ؟..

كنا ثلاثة :

أنت

أنا

والكائن الوقح ذو الفراء

ثم أكلتُ الثعلب الذي ايقظ خوفك

سرى الوحش في دمي

فأكلتُك ..

كنا ثلاثة

صرنا وحشا وحيدا

في غابة بيضاء

*شاعر ومترجم فلسطيني يعيش في نابلس