غزة بين الانتحار والانفجار
علامات على الطريق..يحيى رباح
مهما كانت التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالانتحاري الذي فجر نفسه في موقع أمني لحركة حماس قرب الحدود المصرية، فإنه حادث مهم جداً، ويجب أن نقرأه بعناية فائقة واهتمام كبير، لأنه يأتي منسجما مع السياق وليس متناقضاً معه، ولأنه جزء من المقدمات التي لا تفضي إلا إلى هكذا أحداث، إلا إذا استطاع وعينا الجمعي أن يقرأ الواقع بصدق وأمانة وبدون المماحكات السياسية السطحية التي وصلت الى حد الإسفاف والأسف.
فقطاع غزة، الذي يزيد عدد سكانه، عن مليوني نسمة، والذين ينحشرون في هذا الشريط الضيق فقير الإمكانيات، هو الأعلى عالميا في معدلات الزحام ومعدلات الفقر ومعدلات البطالة ومعدلات الحصار ومعدلات الموت بكل أشكاله، ابتداء من الحروب الثلاثة التي شنتها ضده إسرائيل في العشر سنوات الأخيرة منذ وقع الانقلاب والانقسام الذي يتدحرج مثل كتلة سائبة نحو الانفصال، وعندما انسحب منه شارون من طرف واحد في خريف 2005، فإنه كان يعرف ماذا يفعل، إنه كان يهرب من المسؤولية بالكامل، فقد كانت التقارير لديه تخبره بما هو كائن في القطاع، وبما سيؤول إليه من صعوبات مستحيلة، سواء ارتفاع عدد السكان، أو ضيق المكان، أو ندرة المياه، أو تلوث البحر أو انقراض الشاطئ الرملي أو دروب البطالة الكارثية، وكل هذه الإشارات الكارثية وغيرها كانت وما زالت تؤكد أن أكبر جريمة يمكن أن ترتكب في حق قطاع غزة،هي فصله والاستئثار به، وليس بقاؤه جزءاً من الكل الفلسطيني، وجزءاً من المصير الفلسطيني، وجزءاً من الكلمات الفلسطيني.
ودعوات خالد مشعل "أبو الوليد" لحركته بأن تقوم بمراجعات كبرى، كانت تنطلق من هذه الحقائق، بل إن معظم قيادات حماس الذين استشهدوا في الماضي وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين يرحمه الله، كان جهدهم ينصب على ارتفاع قيمة فلسطين في التنظيم الدولي، والانتقال بها من مرحلة الاستخدام إلى مرحلة المشاركة، لكن همس الشياطين هو الذي انتصر، فوقع قطاع غزة في قبضة حماس الأخرى التي تؤمن بالأوهام على حساب الحقيقة الفلسطينية حتى وصل الأمر إلى ما هو عليه الآن، الضحية تأكل نفسها، والمعذبون يقطعون رقاب بعضهم، ثم جاءت أحداث العالم العربي منذ أكثر من ست سنوات، فإذا بمفهوم الاستخدام بمعدلات أدنى هو الذي يسود وليس مفهوم المشاركة في القرار.
ولو دققنا في كل ما تقوله حماس الأخرى، حماس المتورطة في الانقسام، فإن مقولاتها أقل من مستوى العبث والجنون، مثل القول إن حماس قدر الله، ومثل مقولة أطلقها الزهار ذات يوم، بأنه رأى الإسلام زاحفاً من ماليزيا، ورأينا تبعا لذلك أن القطاع يغرق بالتدريج بينما حماس تعلن الانتصار تلو الانتصار، وتضيع عمداً ومع سابق الإصرار كل فرص المصالحة، وكل خطط الشرعية الفلسطينية، وكل إمكانيات مد الجسور مع الأولويات الفلسطينية، وإذاً فإن حادثة الانتحاري الذي فجر نفسه في موقع أمني هي في السياق وليس عكسه، وهي البداية وليست النهاية، وهي حادث نوعي لا يتطلب الشماتة، ولا الاستمرار في عزف الأناشيد الزائفة !!!!
وتخيلوا ولو للحظة خاطفة كيف يمكن أن يكون وضع قطاع غزة لو أصبح الحادث ظاهرة وليس حادثا معزولاً، وخاصة أن إسرائيل التي هي أكبر الهامسين في أذن حماس ومن يوشوشونها، أقرت مشروعا بثلاثة مليارات شيقل لبناء سور طوله 65 كيلو مترا على حدود القطاع الشرقية أساساً والشمالية والجنوبية جزئيا، وارتفاعه عشرات الأمتار فوق الأرض وتحت الأرض، يحول قطاع غزة الى قفص حديدي كتلك الأقفاص التي يحبسو فيها الحيوانات المتوحشة، في أي شي ستنغرس أنياب هذه الوحوش المحاصرة؟؟؟ في لحم بعضها وليس أي شي آخر، ولكم بعد ذلك أن تقولوا ما تشاؤون.
[email protected]