الوصول إلى النجوم... سعي الهند للفضاء الخارجي: من أريابهاتا إلى مانجاليان
بالافا باجلا

تمتلك الهند تقليدا غنيا يتمثل في استخدام الفضاء الخارجي كأداة للتنمية الوطنية، وفائدة تكنولوجيا الفضاء الهندية تشمل دائما أفقر الفقراء حيث تلمس هذه التكنولوجيا حياة الجميع من مزارعين وصيادي الاسماك وتقريبا حياة ما يقرب من 1.3 مليار نسمة.
ومع احتفال الهند بعيد ميلادها السبعين، فإنها فعلا قد دخلت العصر الذهبي لتكنولوجيا الفضاء، فقطاعات مثل محطات التلفزة الفضائية، والأعمال المصرفية، وتطوير المدن الذكية، والتنبؤات الجوية، والهواتف الذكية، والحوكمة الإلكترونية، والملاحة بمساعدة الأقمار الصناعية، كلها تلبي رغبة الهند المتناهية في انتشار التكنولوجيا العالية لتيسير حياة المواطن.
إن سعي الهند لعلوم الفضاء قادته المنظمة الهندية للبحوث الفضائية (إيسرو) والتي أنشئت في عام 1969، والتي تخصص لها ميزانية سنوية تبلغ حوالي 1.4 مليار دولار. وتمتلك الدولة مجموعة مكونة من 44 قمرا صناعيا في مداراتها، ويمكنها الآن إطلاق ولوحدها أربعة أطنان من ألاقمار الصناعية المخصصة للاتصالات، وهذا ما يمنح الهند قدرات لا محدودة في مجال تكنولوجيا الفضاء من حيث صنع الأقمار الصناعية الخاصة بها وإطلاق صواريخها الخاصة، بل وحتى قيامها بارسال القمر الصناعي الهندي مانغاليان ومهمتها إلى كوكب المريخ في مسافة أكثر من 200 مليون كيلومتر.
لقد بدأت رحلة إيسرو من قرية الصيادين المتواضعة ثومبا على ساحل بحر العرب حيث استخدم العلماء مباني كنيسة لإنشاء أول مرافق إطلاق الصواريخ وأوائل الصواريخ كانت تنقل على الدراجات الهوائية، وأوائل الأقمار الصناعية نقلت على عربات تجرها الثيران. اليوم فإن أثقل صاروخ إطلاق هندي للأقمار الصناعية م ك 3 والمعروف تحببا باسم `باهوبالي " يزن 640 طنا، أي ما يعادل وزن أكثر من 200 فيل مكتمل النمو. وجرى إطلاق هذا الصاروخ الأنيق لأول مرة في 5 يونيو من العام 2017 عندما حمل القمر الصناعي للاتصالات جي سات-19 للمدار، وهو واعد ليظل الدعامة الأساسية لجميع عمليات الاطلاق الثقيلة.
إن أول قمر صناعي أطلقته الهند في عام 1972 وبوزن 360 كيلوغرام كان اريابهاتا، نسبة لعالم الرياضيات الشهير. ووضع في مداره بعد إطلاقه من الاتحاد السوفييتي السابق. وقد مهدت هذه الأقمار الصناعية الطريق لإيسرو للوصول إلى النجوم. وفي الاشهر القليلة القادمة تأمل الهند في اطلاق أقمار صناعية من طراز جي سات-11 والذي يزن حوالى 5725 كلغم.
ومن خلال إطلاق "بهوبالي" دخلت وكالة الفضاء الهندية في عالم جديد وجريء لتضع بصماتها في سوق إطلاق الأقمار الصناعية الثقيلة وبقيمة مليارات الدولارات. وقال رئيس وكالة الفضاء الهندية إيسرو الدكتور أ. س. كيران كومار، وهو رجل معروف بكلماته المتواضعة، "دفعنا بأنفسنا إلى أقصى حد لضمان نجاح هذا الصاروخ الهندي الجديد والمصنوع بأيدي هندية لينجح في إطلاقه الأول".
إن هذا الصاروخ الثقيل قادر على وضع ما يصل إلى 8 أطنان في مدار الأرض المنخفضة، وهو ما يكفي لحمل مكوك فضاء هندي. وبالمناسبة ما يسعد رئيس الوزراء ناريندرا مودي هو أن هذا الصاروخ مغطى بشعار "صنع في الهند".
لقد أعدت المنظمة بالفعل خططا لرفع طاقم مكون من 2 إلى 3 أفراد إلى الفضاء بمجرد أن تمنحها الحكومة ميزانية تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار. ومن المتوقع أن يقوم مودي وهو من أشد مشجعي وكالة الفضاء الهندية بترك بصمته على المشروع من خلال الشروع في برنامج رحلة الفضاء البشري قبل نهاية ولايته الأولى في عام 2019. وبذلك تصبح الهند هي الدولة الرابعة بعد روسيا والولايات المتحدة والصين في الحصول على برنامج الرحلات الفضائية البشرية. وبالمناسبة فإن وكالة الفضاء الهندية قد اكدت أن أول رائد فضاء هندي يمكن أن يكون امرأة! وقد صرح كومار "من حيث المبدأ سيكون جي أس أل في / م ك -3 أو صاروخ من هذه الفئة مخصصا لحمل لرائد فضاء في المستقبل".
إن لدى الهند اثنين من الصواريخ التشغيلية هما Polar Satellite Launch Vehicle ( (PSLV والقادر على حمل أقمار صناعية بوزن 1.5 طن إلى الفضاء، وهو الوسيلة المفضلة لمهمة الهند الأولى إلى القمر والمريخ. ويمكن للمركبة الثانية Geosynchronous Satellite Launch Vehicle (GSLV) أن ترفع 2 طن من الأقمار الصناعية. ولقد نفذت المنظمة خمسين عملية إطلاق، وحققت مؤخرا رقما قياسيا عالميا عن طريق وضع 104 أقمار صناعية بنجاح في المدارات متجاوزة الرقم القياسي الروسي عندما تم وضع 39 قمرا صناعيا في مهمة واحدة.
وفي هذا العام شرعت الهند في الدبلوماسية الفضائية بشكل غير مسبوق. ولأول مرة عززت نيودلهي براعتها في تكنولوجيا الفضاء من خلال الشروع في "دبلوماسية الغلاف الجوي" غير المسبوقة من خلال هدية خاصة بقيمة 45 مليار روبية للجنوب آسيويين. ولقد تبوأت الهند مركزا فريدا جدا في الكون، عندما أطلقت نيودلهي لجيرانها "طائر من الوزن الثقيل" في السماء وهو "قمر جنوب آسيا الصناعي". ولقد فتحت الهند قلبها من خلال توسيع سياستها الاقليمية المتعلقة بالغلاف الجوي "الستراتوسفير". إن هذه "الهدية" القمر الصناعي للاتصالات يستخدمه الجيران دون أي تكلفة، وبشكل غير مسبوق في عالم الفضاء، فجميع منظمات الأقمار الصناعية الأخرى في المنطقة هي مؤسسات تجارية ربحية.
إن القمر الصناعي الجنوب آسيوي يزن 2230 كيلوغراما وهو مخصص للاتصالات وبتكلفة 2.35 مليار روبية. ويتميز هذا القمر الصناعي كونه البصمة التي تمتد في جميع أنحاء جنوب آسيا والهند هي من قدمت هذه الهدية الفضائية لجيرانها.
والقمر الصناعي الجنوب آسيوي مجهز بـ 12 مرسلا ومستجيبا من النطاق (كي يو) ويمكن لجيران الهند أن يستخدموه الآن لتوسيع نطاق الاتصالات. وستحصل كل دولة على منفذ واحد على الأقل يمكنها من برمجة برامجها الخاصة، كما يمكن أن يشكل "برنامج جنوب آسيوي" مشترك. ويقوم كل بلد بتطوير بنيته التحتية الأرضية والهند على استعداد لتقديم المساعدة والخبرة الفنية في هذا المجال. ووفقا للحكومة، فإن القمر الصناعي سوف "يتيح مجموعة كاملة من التطبيقات والخدمات لجيراننا في مجالات تطبيقات الاتصالات والبث الإذاعي والمحطات، والتعليم عن بعد، والطب عن بعد، وإدارة الكوارث ". كما أن للقمر الصناعي القدرة على توفير خطوط اتصال مباشرة وآمنة بين الدول المشاركة كون المنطقة معرضة بشدة للزلازل والأعاصير والفيضانات والتسونامي وهو ما يساعد في توفير وصلات اتصال ضرورية في أوقات الكوارث.
وفي هذه الرسالة غير المسبوقة للسلام، اختارت باكستان، أكثر جيران خصومة عدم الشاركة بينما بقية الدول السبع التي تشكل منظمة جنوب اسيا للتعاون الاقليمى وهى افغانستان ونيبال وبوتان والمالديف وبنجلاديش وسريلانكا جميعهم شركاء بهذه المهمة. ويقول الخبراء " أن الباكستان أضاعت الفرصة " لأن برنامج الفضاء الخاص بها هو حاليا في مرحلة بدائية مقارنة مع الهند. نأمل أن تؤدي "الصداقات الفضائية" إلى تقليل الأعمال العدائية على الأرض.
وفي عام 2013 أطلقت الهند "مانغاليان" وهي أول بعثة لها إلى المريخ وحققت الهدف بدقة عندما دخلت مدار المريخ بتاريخ 24 سبتمبر 2014. ولقد صنعت الهند تاريخا عالميا عندما أصبحت أول دولة تصل لمدار المريخ من المحاولة الأولى، كون عمالقة الدولفي هذا المجال مثل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا لم ينجحوا من أول محاولة. وبتخصيصه لمهمة لا تقل مدتها عن 180 يوما، هذا العام أكمل مانغاليان 1000 يوم في المدار ويستمر في ارسال البيانات وبعض الصور عالية الجودة لقرص المريخ كاملا والتي نشرت على غلاف مجلة ناشينال جيوغرافيك.
في أوائل العام المقبل تخطط الهند لرفع مهمتها الثانية إلى القمر، شاندرايا 2 والتي ستشمل رفع علم الهند على سطح القمر. ومن المقرر أيضا مواصلة البعثات الاستكشافية لتشمل كوكب الزهرة، وكذلك المريخ.
إن ارسال رواد إلى الفضاء مهمة مستقبلية قريبة، حيث إن أحدث صاروخ هندي (GSLV Mk III) قد يكون وسيلة الهند لارسال`هنود إلى الفضاء، ومن الأراضي الهندية وباستخدام الصواريخ الهندية. هذه ليست سوى البداية للوصول إلى النجوم واستكشاف عجائب الكون كلها في الأفق، ولكن سيستمر المواطن العادي في جني أقصى قدر من الفوائد من قدرات الهند في الفضاء.
*بالافا باغلا هو صحفي هندي معروف عالميا في مجال العلوم ومؤلف كتاب "الوصول إلى النجوم: رحلة الهند إلى المريخ وما بعدها" التي نشرتها بلومزبري، ويمكن التواصل معه من خلال البريد الاكتروني [email protected]))
* نيودلهي، 15 أغسطس 2017