تغريدة الصباح - اقتران غير شرعي
حنان باكير
ذات مرة، وجدت نفسي عاجزة عن ترجمة، "جريمة شرف"، لصديقة صحفية نرويجية. وسبب العجز، أني أنا لا أفهم اقتران تلك الكلمتين المتناقضتين معا، وكيف يجتمعان، ليشكلا مفهوما اجتماعيا، تعجز عن مجابهته، أعتى الأنظمة، وكل مؤسسات الدولة! إنه مفهوم محميّ من جماهير غفيرة، ومن مؤسسات مغلفة بستار ديني، ومن موروث اجتماعي، أسبغ عليه صفة القداسة، وكُرّس كمفهوم ديني.
جريمة وشرف، كلمتان مثل خطين متوازيين لا يلتقيان. ووجود أحدهما يعني انتفاء وجود الآخر. فالجريمة تنفي وجود الشرف لدى المجرم، ومع وجود الشرف، لا يكون هناك مجرم أو جريمة! لكن وبمعجزة ما، تم لصق الكلمتين/ المفهومين، للاستعاضة عن وأد البنت، بجريمة الشرف! لا فرق بين طفلة، تدفن حيّة، وبين صبية تذبح على يد من يُفترض أنهم حُماتها وسندها! والهدف دوما الاستماتة في الدفاع عن معاقل الإنجازات والسلطات الذكورية، ومواجهة بناء ثقافة إنسانية، تمحو الفوارق بينهما، ولا سيما بعد تحمل المرأة لأعباء العمل خارج البيت وداخله، ولا شيء يلزم الرجل بمساعدة المرأة في أعمال البيت، كنوع من المناصفة بينهما، كما هو الحال في الغرب.
أذكر في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت تعقد في بيروت محكمة نسائية عربية. حيث تأتي الناشطات من كل الدول العربية، ومعهن نماذج من نساء معنفات بشكل خرافي، لا يصدق. وبعضهن يأتين بصور وأفلام لمشاهد عنف وجرائم تسمى عيبا وافتراء،" بالشرف". الحضور كلهن نساء، باستثناء القضاة الذين يحضرون في آخر جلسة، لإصدار أحكام، تبقى مجرد أوراق في الأدراج، تصفرّ وتبلى مع الزمن. وغالبا ما كان القضاة، يفشلون في إخفاء دموع القهر والغضب، لكنها تبقى أحكام صورية، لا تسندها قوة قانون.
وكان يفترض بهذه المحكمة، أن تعقد كل سنة في بلد عربي، لكن اربع دول فقط كانت تسمح بانعقاده على أراضيها، ولبنان كان احدها. وفي كل حالات "جرائم الشرف"، كانت تستند الى الظن والشك، ولا تقوم على الدليل القاطع، علما أن دليل الزنى في الدين، لا يمكن إثباته، ولو استعملنا جميع وسائل التطور التكنولوجي!
ولم نسمع قط حالة معكوسة، في هذه القضية، كأن تدخل المرأة وتضبط رجلها مع امرأة أخرى.. وتقوم بقتله، فهل ستعتبر جريمة شرف أيضا، مخففة الحكم، أم أن مشاعرها من القهر والغضب، هي مصادرة أيضا!! هذا الأمر لم يحدث في مصر، يوم ساد مسلسل " قتل الأزواج"، حيث حوكمت النسوة، على أنها جرائم عادية مع سبق الإصرار والترصد!
المرأة، لا تتخلى عن الزوج أو الأخ أو الأب والإبن، حين يرتكب المعاصي والخطايا.. بل يسعين لإطلاق سراحه، وزيارته في السجن، مع كل ما يشتهي من طعام وملذات، وبدون مشاعر بالعار الذي يدفع الى حد القتل أو التبرؤ منه!
لم يعد خافيا، أن أكثر ما يسمى جرائم الشرف، كانت تدبر من قبل أقرباء، مارسوا السفاح أو التحرش، مع محارم لهم، ثم قاموا بتلفيق تلك التهم لهن، خوفا من افتضاح أمرهم. وقد يكون السبب أحيانا، حرمان المرأة من الميراث!
أمران يسببان لي حالة من القهر يصل حد الغثيان والذهول.. ولمواساة نفسي، أقول إنه فيلم رعب خرافي، لا يحدث في الحقيقة المعاشة.. أولهما، أن تكون الأم أو الأخت، شريكة بالجريمة وبتواطؤ مع المجرم!
والأمر الثاني، حين أتخيل تلك اللحظات الأخيرة للضحية، لحظة ترى نفسها نعجة أمام سكين الأب او الأخ! من يستطيع رسم تلك اللحظات، أو القبض على تلك المشاعر، قبل أن تتوارى مع صاحبتها، أما القاتل فلا مشاعر ولا ضمير، هو آلة قتل صماء.
لازمة تحرير المرأة والاعتراف بحقوقها، صارت لغة ممجوجة، وجعجعة بلا طحن، والواقع أن العقل العربي برمته، من يحتاج الى التحرير.. فقمع الأنظمة، والاحتلالات، وحرمان الإنسان من حقه في التعليم والتطبيب، وكل الانتهاكات لكرامته، لا تفقده شرفه، لأن شرفه معلق بجسد المرأة!
سنحمل أولا، بلطة الهدم، حتى نستطيع، حمل معول البناء. فلا بناء متين، يقوم على الخرائب المتهالكة.